على وزارة الداخلية إنشاء "بطاقة هوية البلدية" لفتح الباب أمام الاستثمار - الوسط الجزائرية

الأستاذ نور الدين حاروش
الأستاذ نور الدين حاروش ص: أرشيف
12 تشرين2 2017 حاورته: سارة بومعزة 91

أستاذ العلوم السياسية نور الدين حاروش لـ"الوسط": 

على وزارة الداخلية إنشاء "بطاقة هوية البلدية" لفتح الباب أمام الاستثمار

دعا الأستاذ المحاضر في تخصص العلوم السياسية بجامعة الجزائر 3، نور الدين حاروش، السلطات الوصية إلى تسهيل وتبسيط الإجراءات التنظيمية حتى تتمكن البلدية من لعب دورها الاقتصادي وتحقيق التنمية المحلية وتحسين الخدمة العمومية، مشخصا الوضع في محدودية الموارد الذاتية لهذه الجماعات وضعف الاستثمار المحلي مع محدودية الموارد العمومية المخصصة لهذا الجانب من جهة، وعزوف الخواص في الخوض فيه من جهة أخرى، مع غياب رؤية أو تصور بعيد الأمد ناهيك عن ضعف المقاربة التشاركية والتعاقدية.


 

وأوضح الدكتور حاروش في حوار جمعه بـ"الوسط"، والذي يعد عرضا ملخصا لكتابه الأخير "الخدمة العمومية المحلية كمؤشر للتنمية المستدامة"، اقترح حلولا لإعطاء دفعة وتمكين البلدية من استغلال مواردها إنشاء موقع خاص ببطاقة هوية البلدية، مع تحيينها، تحتوي تعريفا بالجغرافية والديمغرافية والاقتصاد والحالة الاجتماعية والمستوى العلمي وحالة البيئة وسوق العمل والفقر والبطالة وتوزيعهما، مؤكدا على الأحزاب في عز الحملة الانتخابية توفير جملة شروط في مرشحيهم، حددها في نص حواره.

عز الحملة الانتخابية، نجد صدور كتابكم الخاص بالخدمة العمومية المحلية، والذي شاركتكم به خلال المعرض الدولي للكتاب مؤخرا، هل يمكن أن تعطينا لمحة حول مضمونه؟

كتاب الخدمة العمومية المحلية كمؤشر للتنمية المستدامة هو ثمار عمل فرقة بحث منذ 2012، حيث تم التركيز على أهمية الجماعات المحلية بصفتها القاعدة الأساسية التي يعول عليها تحقيق التنمية المحلية وكونها أقرب سلطة للمواطن، كما أنها منبر للمشاركة على المستوى المحلي من خلال الديمقراطية التشاركية المنصوص عليها في مختلف التشريعات. كما أن هذا الكتاب جاء متزامنا مع الحدث الانتخابي والمتمثل في الانتخابات المحلية البلدية والولائية 23 نوفمبر 2017من جهة، ومن جهة أخرى البحث عن مصادر التمويل غير التقليدية في ظل انخفاض وتراجع أسعار البترول وبالتالي تنويع الاقتصاد من خلال الاستثمار في الموارد المحلية وتثمينها والاهتمام بها  والدور الذي يمكن أن تلعبه البلدية في ذلك.

بداية من الاستثمار على مستوى البلديات، والذي دعمته تعليمة وزير الداخلية نور الدين بدوي قبل سنة الموجهة لرؤساء البلديات للإقبال على الاستثمار المحلي بدل الاعتماد على التمويل من الخزينة العمومية، كيف يمكن تطبيق ذلك؟

حقيقة أن قانون البلدية الأخير 2011 تطرق للدور الاقتصادي للبلدية وعليه نحن نطالب السلطات في تجسيد هذا القانون على أرض الواقع من خلال مرافقة البلديات وتشجيعها وقبل ذلك تسهيل وتبسيط الإجراءات التنظيمية حتى تتمكن البلدية من لعب دورها الاقتصادي وتحقيق التنمية المحلية وتحسين الخدمة العمومية...

لكن التشخيص الأولي لواقع التسيير المحلي من خلال الجماعات المحلية يرسم لنا صورة قاتمة تعبر عن مجموعة من الاختلالات أهمها على الإطلاق محدودية الموارد الذاتية لهذه الجماعات وضعف الاستثمار المحلي لغياب ميزانية الدولة المخصصة لهذا الجانب من جهة، وعزوف الخواص في الخوض فيه من جهة أخرى، معغياب رؤية أو تصور بعيد الأمد ناهيك عن ضعف المقاربة التشاركية والتعاقدية، لذا فكرنا في السبل والمقاربات التي تمكننا من جعل الجماعات المحلية ترتقي من مجرد مرفق أو هيكل إداري تقليدي يقدم عمل روتيني إلى مرفق تنموي حيوي محفز جاذب للاستثمار الذي أصبح اليوم أكثر من ضرورة، وليس مجرد التفكير فقط وإنما السعي قدما من أجل تجسيد هذا التحول الذي يكون في خدمة المواطنين، حيث يحاول هذا التحول القضاء على التسيير الإداري المعهود والقائم على البيروقراطية السلبية وضعف التدبير المالي، ويخلق بالمقابل نوع من التسيير أساسه الحكامة والرشادة مع تخليق التدبير الجماعي، وعندها سيتم الخروج بالجماعات المحلية من جماعة منطوية منعزلة إلى جماعة منفتحة ومتكاملة مع البيئة الداخلية والخارجية بامكانها تحقيق التنمية المحلية المستدامة.

بعد تشخيصكم للواقع القائم، والذي يرهن تطوير الجماعات المحلية، ما هي الحلول الذي اقترحتموها من خلال الكتاب؟ 

جاء هذا الكتاب متضمنا لعدة فصول متسلسلة وفق منهج علمي، وكانت البداية كمدخل عام بدراسة أسس التنظيم الإداري من خلال نموذج اللامركزية الإدارية وأركانها وصورها، وأنماطها وبعدها مزايا وعيوب اللامركزية الإدارية، وذلك للوقوف على دور الجماعات المحلية الحقيقي المجسد للامركزية الإداريةفي تحسين مؤشرات التنمية المستدامة من خلال تقديم الخدمات العمومية المحلية وفق تطلعات المواطن المحلي، وعالجنا في الفصل الأول الإرادة السياسية والحكامة المحلية وعلاقتها بالخدمة العمومية، حيث تتجسد الإرادة السياسية في برنامج تكوين رؤساء المجالس المحلية، وعلاقة الحكامة المحلية بالخدمة العمومية المحلية، والتنمية الاقتصادية المحلية، بينما تطرقنا في الفصل الثاني إلى محتويات التنمية المستدامة ومؤشرات قياسها، حيث استهلت الدراسة بتعريف التنمية المستدامة وخصائصها، ودور تقنية المعلومات والاتصالات في تحقيق التنمية المستدامة، وما هي مؤشرات قياس التنمية المستدامة الاجتماعية والبيئية والاقتصادية، وجاء الفصل الثالث للبحث في مستويات التنمية المستدامة ودور التنمية المحلية فيها،  من خلال إسهامات التنمية المحلية في التنمية الوطنية الشاملة، ومعوقات تنمية المجتمع المحلي، وكيف يؤثر التغير الاجتماعي في تنمية المجتمع المحلي، وخصصنا الفصل الرابع لإبراز دور المتغيرات الديمغرافية في التنمية المحلية، حيث تضمن الفصل ماهية الديمغرافيا، وأهمية دراسة المتغيرات الديمغرافية، وأنواعها، ومصادرها، وعلاقة المتغيرات الديمغرافية بالتنمية المحلية، ليليه الفصل الخامس لمعالجة تنمية المجتمع الحضري والمستحدث، حيث نعرف التحضر، وبعدها المداخل النظرية والمعرفية لدراسة التحضر، ثم خصائص المجتمع الحضري، والتمايز بين الريف والحضر، وكيفية تنمية المناطق الحضرية ومشكلاتها وتحدياتها ورهاناتها، مع تقديم بعض النماذج العالمية، وفي الأخير دراسة التنمية المحلية بالمجتمع الريفي كفصل سادس، وذلك باستعراض التنمية الريفية وأهميتها وأهدافها وأجهزتها، ومعوقاتها وتحدياتها، وختمنا الفصل ببعض التجارب العالمية والعربية في التنمية الريفية.

وكيف سعيكم لتوضيح طرق تفعيل الاستثمار على مستوى البلديات من خلال الكتاب؟ 
 

في نهاية الدراسة قدمنا نموذج لبطاقة هوية البلدية، فمن خلال هذا النموذج يمكن رسم وإعطاء صورة حقيقية للبلدية، تمكن المستثمر الداخلي والخارجي من معرفة كل مميزات وخصوصيات البلدية وبالتالي المجال الذي يمكن الاستثمار فيه. وذلك بوضع كل ما يخص البلدية في هذه البطاقة، وحتى العلامات الخصوصية، بل هي أكثر شيء نركز عليه في هذا النموذج، حينها يتم تسجيل معلومات البلدية وإدخالها في الموقع الرسمي لوزارة الداخلية، أو إنشاء موقع خاص ببطاقة هوية البلدية، يحوي على كل المعطيات والخصوصيات، وتصبح متاحة للكل، داخليا وخارجيا، والهدف هو التعريف بالبلدية وتقديمها للعالم، ما لها من مقومات وخصوصيات وامكانيات، إنه تسويق البلدية لنفسها، ورسم صورتها الحقيقة، بغية الاستقطاب والحصول على الاستثمار الداخلي والخارجي، الذي نهدف من وراءه تحقيق التنمية المحلية وبالتالي التنمية الشاملة والمستديمة....

لذا فمن الضروري توفير قاعدة معلومات وبيانات وافية عن الجغرافية والديمغرافية والاقتصاد والحالة الاجتماعية والمستوى العلمي وحالة البيئة وسوق العمل والفقر والبطالة وتوزيعهما وخصائص أخرى موجودة في هذا النموذج يمكن ن تفيد في رسم سياسة تنموية محلية.

إذن يمكن إسقاط ذلك على الحملة الانتخابية الجارية وبرامج الأحزاب السياسية؟ 

إن الحصول على المعلومات والبيانات وتحيينها دوريا يساعدنا في رسم الاستراتيجية التنموية المحلية التي أساسها تحسين مؤشرات الخدمة العمومية، والتي هي محصلة للتنمية المستدامة، فمن خلال المعلومات المتحصل عليها يتم التعرف على واقع البلدية الحقيقي، وما هي البرامج والخطط القابلة للتحقيق وكذا تحديد الاتجاه الاستراتيجي للتنمية المحلية،  فبعد الحصول على هذه المعلومات والبيانات سيتم تحليلها لرسم صورة التنمية المحلية بالبلدية : نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات. وهنا يمكن للأحزاب السياسية أن تعد برامجها الانتخابية من خلالها وتقوم بشرحها وتفسيرها أثناء الحملة الانتخابية، وبدون شك ستتمكن من استماله الناخبين وكسب أصواتهم وبالتالي امكانية تحقيق هذه البرامج لأنها مستمدة من الواقع وهي قابلة للتجسيد في الواقع.

فيمكن أن نجد مثلا في بلدية ما نقاط القوة ممثلة في الأصول، أي معدلات الأجور التنافسية، قوة العمل الماهرة، النافدة الديمغرافية أو الهبة الديمغرافية، المؤسسات التعليمية والبحثية، شبكة المواصلات الجيدة، توافر الأمن، توافر الشركات المنتجة، القرب من موارد المواد الخام، أو الموارد الطبيعية الأخرى وغيرها.

كما يمكن ان نجد نقاط الضعف ممثلة في معوقات النمو: زيادة حدة الفقر، انتشار الاحياء الفوضوية والهشة والمهمشة، تعقيد الإجراءات التنظيمية والادارية المحلية غير الملائمة، صعوبة الحصول على القروض، القضايا الخاصة بالصحة التي تؤثر على قوة العمل كانتشار بعض الامراض المعدية والوبائية الخطيرة.

من جهة أخرى يمكن للبلدية أن تكون لها فرص، ظروف خارجية ملائمة: التطور التكنولوجي، ترتيبات التجارة الدولية الجديدة، التطورات السياسية، تطورات الاقتصاد الكلي، توسيع نطاق الأسواق، تطوير المطارات الإقليمية والنقل البحري، بزوغ قوة عمل تتسم بالمهارة.

أما التحديات: فيمكن أن نجد كذلك اتجاهات خارجية غير مواتية، التطورات الديمغرافية، انخفاض حجم الأنشطة ذات الطابع الدولي، فقدان الأسواق ومن تم غلق مصانع محلية، عدم استقرار أسعار الصرف الامر الذي يمنع تدفق الاستثمارات، هجرة السكان المتعلمين الى مناطق أخرى، والهجرة الى الخارج.

وكيف يمكن الوصول لذلك، أو على عاتق من تقع مسؤولية الأعباء؟ 

تتوافر عادة المعلومات عن التنمية في العديد من الدول على المستوى الوطني فقط، لذلك فإن تجميع البيانات التفصيلية للتنمية المحلية قد تكون عملية باهظة التكلفة، بحيث يصعب على البلديات بميزانيتها المحدودة القيام بذلك، لذا من الضروري دراسة الوسائل والمناهج المختلفة لاستيعاب وفهم أبعاد التنمية المحلية، وهذه الأساليب قد تتضمن عقد اجتماعات مع الشركات وفئات المجتمع الأخرى، فضلا عن عقد لقاءات وأبحاث ودراسات ميدانية مبسطة. والمؤكد أنه في الأخير نتمكن من وضع إستراتيجية تنموية محلية تتماشى مع الخصوصيات المحلية بداية بالمرحلة الأولى المتمثلة في تنظيم الجهود على المستوى المحلي، جهود الدولة والجماعات المحلية والخواص والمجتمع المدني والمواطن المحلي، وتأتي المرحلة الثانية لتقييم التنمية المحلية، ما لها وما عليها، نقاط القوة والضعف، والفرص والتحديات، والمرحلة الثالثة من الاستراتيجية التنموية المحلية هي إعداد الإستراتيجية بأتم معنى الكلمة، أي رسم الخطط والبرامج وتوزيع الموارد وتعيين من ينفذ هذه الأعمال وغيرها، وفي المرحلة الرابعة يتم تنفيذ الاستراتيجية، وفي الأخير، المرحلة الخامسة نقوم بمراجعة الإستراتيجية للوقوف على ما تحقق وما لم يتحقق ولماذا؟ لإعادة رسم إستراتيجية أخرى وهكذا.

في الأخير لا يجب أن ننسى ونحن في عز الحملة الانتخابية الدور المحوري الذي تلعبه الأحزاب السياسية في تحقيق التنمية المحلية وتحسين الخدمة العمومية وذلك من خلال نوعية المترشحين الذين تقدمهم هذه الأحزاب لتنافس بها غيرها واستمالة أصوات الناخبين، لذا المطلوب بل من واجب الاحزاب السياسية أن تقدم قوائم تنافسية معيارها الجدارة والنزاهة والالتزام وليس المنطلق المقلوب الذي تتبعه حاليا والذي يعرفه العام والخاص.

اقرأ أيضا..