سيمفونية التشاؤم الأسود والتفاؤل الوردي! - الوسط الجزائرية

ماذا يحمل ماكرون في زيارته إلى الجزائر؟
ماذا يحمل ماكرون في زيارته إلى الجزائر؟ صورة: أرشيف
11 كانون1 2017 388

زيارة الرئيس الفرنسي إلى الجزائر

سيمفونية التشاؤم الأسود والتفاؤل الوردي!

صورة الكاتب باريس: بوعلام رمضاني

لا شيء يعلو إعلاميا منذ اليوم على زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويال ماكرو إلى الجزائر بسبب هوية الرجل شخصيا وسياسيا وسيكولوجيا وحتى فنيا، والدور المسرحي الذي أداه أمام طلبة جامعة كيغالي ،و(الذي أضحى كوميديا وواقعيا لدى البعض وتراجيديا لدى البعض الآخر وخليطا هجينا في نظر آخرين )سيرمي حتما بظلاله على رض شعب غير مستعد نظريا على التجاوب بسرور مع خطاب غير صادق ونوايا وخلفيات مرحلية ومكيافيلية كما يرى الكثير من الجزائريين.


وحتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود و تنكشف أسرار الظلال وتتأكد صحة أقوال حاكم بلد الأنوار ،التقت "الوسط "عددا من المهاجرين المعنيين مباشرة بالحدث كالإعلاميين المقيمين في فرنسا منذ عدة أعوام (الأمر الذي يضفي على قراءتهم أهمية خاصة )، توسيعا وتعميقا لمساحة المقاربات ،ضمت "الوسط في تحقيقيها "مهاجرين يعملون في مجالات مهنية متنوعة وآخرين ينتمون إلى" الناس اللي تحت"على حد تعبير الكاتب المسرحي الراحل نعمان عاشور، ومن بينهم أولئك الذين يستيقظون فجرا ويعملون ليلا ليكدحون متحدين مثل برد هذه الأيام الصعبة.

هل من جديد تحت الظلام

مبدئيا، لم يكن من السهل على معظم الإعلاميين التحدث بروح متفائلة بسبب تركة الزيارات السابقة التي قام بها رؤساء سبقوا ماكرون إلى الإليزيه وذهبوا إلى أشهر مستعمرة قديمة بغرض الظفر بتأييد حكامها ورفضوا التوبة عن جرائم بلدهم وأسس بعضهم ما سمي "بقانون الاستعمار الايجابي" الذي طبخته أغلبية يمينية اصطادت في حقول اليمين المتطرف بقيادة نيكولا ساركوزي (طالع قريبا دراسة رؤساء فرنسا وخرافة الاستعمار الايجابي من شيراك إلى ماكرو).

الملاحظ في ردي الزميلين علي مكاوي مراسل الإذاعة الوطنية ومحمد الزاوي (الصحفي السابق والسينمائي الجديد الماضي في نجاحه اللافت) أن "عقدة " المغرب لا تساعد على وضع حد لظلام علاقة لا تضمن إشراقة واعدة بالضرورة، عقدة المغرب هي التي دفعت مكاوي إلى التشكيك في صدق الخطاب الماكروني أسوة بملايين الجزائريين والرئيس الشاب، والوسيم على شاكلة كنيدي وجامس دين كان يفترض أن يزور الجزائر أولا قبل المغرب مباشرة بعد توليه مقاليد الحكم تكريسا لموقفه التاريخي الأول من نوعه اثر وصفه الاستعمار الفرنسي للجزائر بجريمة ضد الإنسانية قبل أن يصحح ويغير الصيغة بعد عودته إلى باريس!، في نظر مكاوي، برمجة المغرب قبل الجزائر تكرس في تصوره براغماتية ماكرونية تكشف عن مصلحة فرنسية غير جديدة لم تكن يوما في صالح الجزائر والهدف الاقتصادي و(كتحصيل حاصل )سيكون أولوية الأولويات في الأجندة التي سيحل بها إلى الجزائر بعد الغد.

ويضيف مكاوي:"سؤال ماذا ستحقق الجزائر من زيارة ماكرون يعد جوهريا وحيويا إذا تأكد أن الجزائر ستكون الطرف الخاسر كما حدث من قبل!، عاد مكاوي بدليل براغماتية فرنسا التي راهنت دائما على الربح الاقتصادي في علاقتها المزدوجة مع (الإخوة الأعداء حتى إشعار جديد ) إلى تاريخ العلاقة الفرنسية الجزائرية متوقفا عند زيارة هولند التي لم تكلل بتوازن في التعامل الاقتصادي مقارنة بالمغرب(يفوق الاستثمار الفرنسي في المغرب بأربع مرات بمثيله في الجزائر ) الأمر الذي لا يشجع على التفاؤل.

ويؤكد أن اليسار واليمين غير مختلفين حينما تصبح المصلحة الوطنية خيارا سياسيا جامعا خدمة للشعب الذي ينتخب ليجني ثمار تصويته،الانتصار الفرنسي المستمر اقتصاديا في المغرب يفسر حسب الخبراء على لسان مكاوي بقاعدة 51 /49 في المائة التي تعيق سلامة علاقة اقتصادية إيجابية بين الجزائر، وفرنسا ،ولا أدل على صحة ذلك نشاط 6800 شركة فرنسية في المغرب مقابل 500 في الجزائر حسب الزميل مكاوي، وإذا كان الرهان الاقتصادي يصب في مصلحة فرنسا حتى يثبت العكس ،فان زيارة ماكرو ستكون في تقدير مكاوي فرصة لمناقشة إشكالات سياسية تتعلق بسبل محاربة الإرهاب بوجه عام ومناقشة الخلاف الخاص بموقف فرنسا المؤيد ة للجنرال حفتر ومحاولتها التفرد بالملف الليبي فضلا عن مناقشة جوانب عدة تخص الذاكرة واستعادة جماجم المقاومين على حد تعبيره.

محمد الزاوي الذي استبدل القلم بالكاميرا تقاطع مع مكاوي حينما قال أن زيارة ماكرون إلى المغرب قبل الجزائر لا تشجع على تجاوز الخلفيات الفرنسية وتحقيق التقارب المنشود من الزيارة سيما وأن تفضيل فرنسا للمغرب غير منفصل عن الصراع المستمر بين الجارين بسبب الصحراء الغربية، زيارة الرئيس الفرنسي للجزائر غير مرحب بها في نظر معظم الجزائريين -أردف يقول الزاوي -بسبب ما وصفه :"بفتيل الصراعات داخل وخارج السلطة نتيجة تدهور صحة الرئيس وتغير الطاقم الذي استقبله مرشحا للرئاسة وتراجع الظروف المعيشية الناتجة عن أزمة اقتصادية غير مسبوقة الشيء الذي لا يحمس أغلبية شعب فاقد للأمل" ،الزاوي يعتقد أن الزيارة تكتسي طابعا خاصا في ظل تحدث البعض عن خليفة الرئيس المريض في الوقت الذي لا شيء يؤكد عدم ترشحه لعهدة خامسة وربما سيكون الأمر محرجا للرئيس الفرنسي (الذي عبر عن سعادته بالانتقال الديمقراطي في بوركينافاسو ).

التعاون والاقتصاد خير طريق

الزاوي والأستاذ دحمان توشنت قطعا حبل التشاؤم والتوجس وعزفا على إيقاعات التفاؤل الوردي والبراغماتية الواقعية من منطلق تعاون تفرضها ملفات سياسية واقتصادية مرتبطة بمصلحة متبادلة على أكثر من صعيد، الجزائر ستحاول تسويق عاملي الاستقرار المرهون باستمرار جزائر بوتفليقة القوية وبحاجة فرنسا إليها سياسيا وأمنيا واقتصاديا.

وفي هذا المنعرج من التحليل يلتقي مجددا الزاوي مع زميله مكاوي انطلاقا من اعتبار استقرار الجزائر شرطا للاستمرار في محاربة الإرهاب المستفحل في الساحل الإفريقي ومنع انفلات من شأنه زعزعة وضع يؤدي إلى هجرة لا تتحملها فرنسا.

الجزائر التي ستحاول جر فرنسا للضغط على المغرب للتفاوض مع البوليساريو- أضاف الزاوي يقول-  تقع من جهة أخرى: "تحت سطوة قوى ضغط لوبيات اقتصادية وثقافية من شأنها أن تخرج أنيابها هذه المرة في ظل استمرار حصول الصينيين على أكبر نصيب من الكعكة" على حد قوله، الأستاذ دحمان توشنت أكد بدوره على حتمية التعاون بين باريس والجزائر داعيا إلى تجاوز الخلفيات السياسية المتعلقة بالذاكرة اعتقادا منه أن التعاون الاقتصادي هو البوابة الأولى والأخيرة لضمان مستقبل يقوم على مصلحة متبادلة ،الأستاذ توشنت الذي تحدث بروح تفاؤلية، برر رأيه بنية الجزائر في فتح صفحة جديدة مع فرنسا وهذا ما أيدته في تقديره أثناء الحملة الانتخابية الفرنسية حينما استقبلت ماكرو وذهب إلى أبعد من ذلك بقوله : "أنها تريد أن تصبح المتعامل المغاربي الأول"، سياق خلافة الرئيس بوتفليقة التي لم تعد سرا عند خاصة وعامة الناس، معطى آخر ترك توشنت يتحدث عن إمكانية أخرى تعمق المصلحة السياسية بين البلدين، وعليه لا يمكن لماكرون إلا تأييد قايد صالح أو السعيد بوتفليقة لرد جميل الجزائر التي أيدته كمرشح للرئاسة، رغم موقف الجزائر الايجابي من الرئيس الشاب.

يضيف توشنت:"مازالت الجزائر عاجزة على احتلال المرتبة الأولى في سلم أولويات باريس الاقتصادية ورئيس داهية استراتيجيا مثل ماكرو فضل المغرب الذي سجل عدة نقاط دوليا لدينامية مقاربته الاقتصادية ،توشنت اختتم رده على أسئلة "الوسط "بروح متفائلة  وممزوجة بخشية تشاؤمية تبرر بطرحه سؤال في شكل جواب :"هل ستكون الجزائر في مستوى فرنسا ماكرون الاستراتيجي والواقعي والعقلاني؟.

اقرأ أيضا..