حقائق تاريخية و اجتماعية عن يهود تلمسان
09 شباط 2019 7209

لعنة محاكم التفتيش و سقوط غرناطة

حقائق تاريخية و اجتماعية عن يهود تلمسان

تلمسان: محمد بن ترار

 تعتبر ولاية تلمسان  إحدى أهم المواقع التي شهدت تعايشا اجتماعيا ،وثقافيا واقتصاديا ما بين سكان المدينة ،ويهود السيفادرا الذين فرو من محاكم التفتيش الاسبانية بعد سقوط  غرناطة  آخر قلاع الأندلس واستقروا  بعدة مناطق بشمال إفريقيا على رأسها تلمسان  التي استقبلتهم  وتعايش السكان معهم خلال العهدين المرابطي والزياني .

تجمع  الدراسات  التاريخية حول واقع اليهود الثقافي الشعبي بتلمسان  وكيف تعايشهم مع المجتمع ، باختلاف عاداتهم و تقاليدهم  أنها  من أصعب الدراسات  العلمية والثقافية وحتى الصحفية ،لانها غالبا تصطدم بعقبات كثيرة  نظرا لحساسية الموضوع  بحكم التعايش  السلمي الذي كان ما بين العائلات التلمسانية و العائلات اليهودية  التي استقرت  بحي قباسة خلال أول نزولها بتلمسان سنة 1392  ضمن  هجرات الترحيل القسري من اسبانيا  على خلفية سقوط آخر قلاع الأندلس  أو من خلال دخولهم المدينة  بعد نجاح  الحاخام "افرانيم انكاوا"  في علاج ابنة الحاكم الزياني والذي قربه ومنحه الحق في دخول المدينة والإقامة بها .

يهود تلمسان من سيدي لحسن إلى درب اليهود 

بداية التعايش الاقتصادي الاجتماعي مع التلمسانين

أغلب الدراسات التاريخية تؤكد أن اليهود الذين استقروا بتلمسان هم من أصول يهود السيفادار الأوروبيون الذين عاشوا بأوروبا  والذين استقروا بتلمسان بصفتها ، المدينة الوحيدة  التي سمحت للجالية اليهودية بالعيش في مركزها الحضري بوسط المدينة على عكس المدن الأخرى كقسنطينة ، فاس المغربية ، سجلماسة، تمنطيط ، زاوية كونتة  في أدرار و غيرها من المدن التي قامت بعزلهم في أحياء بعيدة عن مركزها  .  فاليهود في تلمسان كانوا يقيمون في أول وهلة  بحي سيدي لحسن، بجانب باب زير المقابل لباب سيدي بومدين خلال العهد المرابطي ، و لما جاء  الموحدون  تم إخراجهم إلى حوز تلمسان أي خارج أسوار المدينة  بمنطقة قباسة التي توجد فيها مقبرة اليهود حاليا  ( وكلمة قباسة في اللغة العربية تعني مكان استقرار الجالية الأجنبية )  والذين اتخذوا منهم  موقف لا وجود للذميين داخل المدينة ، حيث كان ممنوع عليهم العيش داخل المدينة و بقوا على تلك الحال إلى غاية قيام الدولة الزيانية ،  أين سمح لهم حكام الدولة الزيانية بالدخول للمدينة ورحلوهم  من  منطقة قباسة إلى مركز المدينة ، وهوما يعرف  بدرب اليهود حاليا و هو حي محاذي لقلعة المشور ، لإدراكهم أن انقطاع شريان الذهب من الجنوب في تلك الفترة لا يمكن تعويضه إلا من خلال إعادة الحرفيين اليهود وصناع الذهب إلى المدينة  ، مما يعني أن المصلحة والعامل الاقتصادي  التجاري المادي كان من بين إستراتيجية الزيانيين لإعادة اليهود إلى و سط مدينة تلمسان  ،  حيث رأو إرجاعهم  كان لا بد منه  لإعادة الحياة التجارية التي عرفت جمودا نوعا ما  في تلك الفترة ، عكس بعض الكتابات اليهودية  التي زعمت أن استقرارهم  في وسط مدينة  تلمسان كان بوساطة  من "افرانيم أنكاوة"  الحاخام الذي تمكن من استشفاء ابنة السلطان الزياني أبو عبد الرحمن أبو تشفين الثالث ، و كمكافأة له شفع السلطان للجالية اليهودية و مكنها من العيش داخل أسوار المدينة، و هي أقاويل لا تعدو كونها ادعاءات حسب جل  الدراسات التاريخية حول الموضوع ، بالرغم من أن الأطباء اليهود أيضا أعادهم السلطان للمدينة إلى جانب الحرفيين لأهميتهم الاجتماعية.

وهنا يمكن الإشارة أن  هناك اختلافا  واضحا حول السماح لدخول اليهود إلى مدينة تلمسان ففي الوقت الذي يجمع المؤرخون  حول الملف أن العامل الاقتصادي وأهميته بالنسبة لبنو زيان  سمح لأغنياء اليهود  وتجارها  بالدخول للمدينة في حين بقي الفقراء وبعض الحرفين في حي قباسة ، و يقول اليهود في كتاباتهم  أن الحاخام "افرانيم الان كاو"  أو" انكاوا"  هو من توسط لليهود بالدخول إلى تلمسان بعد تقريبه من حاكم تلمسان أبو عبد الرحمن أبو تشفين الثالث بعدما عالج ابنته من مرض كان بها ، و كمكافأة له شفع السلطان للجالية اليهودية و مكنها من العيش داخل أسوار المدينة  وهو ما شجع التواجد اليهودي بهذه المدينة التي عاشت فيها أكبر جالية يهودية في القرن 15 م والتي يعتبرها الى اليوم محجا لهم وأكثر أهمية لهم من مدن أسفي المغربية وسوسة التونسية لما عرفوه من تعايش سلمي مع المجتمع التلمساني خلال فترة طويلة

درب الرحيبة من مركز لتجميع المورسكين إلى  استقرار 25 ألف يهودي

علاقة اليهود التعايش ما بين سكان  تلمسان  واليهود بدأت  من درب الرحيبة بعد أن قام حكام بنو زيان ببنائه  في قلب مدينة تلمسان خصيصا لليهود الفارين من الأندلس و المسلمين المورسكيين الذين بقوا في اسبانيا وخُيروا بعد سقوط الحكم الإسلامي فيها ما بين اعتناق المسيحية أو الرحيل ، هذا الحي سموه "الرحيبة"  ، و كلمة الرحيبة هي كلمة أندلسية مصغرة تعني مرحبا ، فقد رحب الزيانيون باليهود الحرفيين ووفروا لهم شروط الاستقرار وحرية الديانة  إلى أن  تضاعف عددهم وأصبح خلال  القرن 15 م ، ما  يفوق 25 ألف  يهودي يعيش في تلمسان وحدها و هو عدد ضخم مقارنة بعدد اليهود الذين كانوا يعيشون في مدن أخرى على غرار قسنطينة وميلة وأدرار ، و من حي الرحيبة بالذات  بدأت حياة يهود تلمسان  الذين عاشوا و تعايشوا  مع السكان الأصليين فمارسوا التجارة و الحرف التقليدية و صناعة الذهب ،   تم بنوا  المعابد و المدارس التلموذية و الأفران  لممارسة طقوس اليهودية ، حيث وصل عددها و حسب ما جاء في الكتابات اليهودية 17 معبدا و مدرسة دينية تلموذية في تلمسان وحدها ،   والتي لم  يبقى منها اليوم   إلا  معبد الخصالين المتواجد في درب اليهود خاليا وهو لا يمارس اليوم أي نشاط ديني  بالإضافة إلى معبد آخر يسمى  بن طاطا في  حي المدرس التي أصبحت مسكنا عائليا حسب ما جاء في كتاب لويس أبادي الفرنسي اليهودي الذي عاش في تلمسان وكتب عنها .

تحولت تلمسان بفعل  نشاط اليهود بها   إلى قطب تجاري وثقافي هام في القرن 15 م  ، وشكل يهود تلمسان  أكبر  جالية يهودية  في المشرق و شمال إفريقيا  ،  بعدما هاجروا للعيش و العمل فيها، ، فإلى غاية قيام الدولة العثمانية بقيت تلمسان مدينة الغالبية اليهودية ، سميت أنداك بالقدس الغربية ، لوجود  قبر أحد أكبر  الحاخامات فيها و هو "افراييم أنكاوة "المدفون بقباسة  والذي كتب أيضا بأسماء عدة على غرار أفرانيم عنكاوة ، افرانيم الان كاوا ، ومعناه(عن النقاوة أي إبراهيم النقي)  وتشتهر تلمسان  بالعين المقدسة  بحي قباسة التي  تحل محل ماء زمزم لدى المسلمين  ، ويصفه اليهود بانه ماء الزواج  والإخصاب وتعتبر  حلم يهود  السيفادارا لحد الآن  لان أسطورتهم وفقلا للكتب اليهودية تقول أن افرانيم الآن كاوة و قبل وفاته في 1442 ترك وصية لليهود يطالب بدفنه بجانب العين قائلا" ..تركت لكم الماء لتطهروا أنفسكم من الخبائث ، و محبة و احترام أهل تلمسان لكم.."  ، حيث  كان يعتبر هذا المكان حتى قبل 1939 أول مزار لليهود قبل حائط المبكى بفلسطين ، و افراييم أنكاوة هو ابن الحاكم " اسرائيل" الذي كتب التلمود للسفاردة  و كان يعتبر من أكبر حاخامات و حكام اليهود في جنوب الأندلس  و الذي تقول الأسطورة اليهودية بشأنه أنه فر من الأندلس مرورا بمراكش المغربية التي كانت تسمى عاصمة الأطباء مكث فيها قرابة شهر قبل أن ينتقل إلى تلمسان حسب الأساطير اليهودية و هو يمتطي أسدا و لجامه أفاعي، و الأسد يرمز به عند اليهود للعلم ،أما الأفاعي فهي ترمز للطب، فضرب برجليه فخرجت منه عين جارية  ، فهذه العين   موجودة في مقبرة قباسة لحد الآن و كانت حتى 1968  مزارا مقدسا لليهود، حيث أكد أنها أسطورة استلهمها اليهود من قصة سيدنا أيوب عليه السلام.

رغم أكثر من 50 سنة عن مغادرتهم المدينة

عادات اليهود وأطباقهم لاتزال باقية بتلمسان

هذا ورغم أن يهود تلمسان قد غادر أغلبيتهم الجزائر مع المستعمر الفرنسي الذي دعموه في احتلال الجزائر  وازروه  ما جعلهم يتمتعون بالجنسية الفرنسية وفقا لقانون كريميو 1870  لكن مآثرهم لاتزال باقية من تراث مادي وثقافي  لان العائلات التلمسانية تعايشت معهم لعقود من الزمن   جنبا إلى جنب ، ساهمت بشكل كبير في إثراء الموروث الثقافي و الرصيد الحضاري المتنوع الذي تزخر به تلمسان  اليوم . و إن كان هذا الموروث  لا يتعدى بعض العادات و التقاليد والأطباق و الحلويات، على رأسها " كعك تلمسان و القريوش و غروبية الزيت و طاجين القطامر  المصنوع من رؤوس البادنجان  الذي كان إلى وقت قريب أكلة رئيسية تقام بها الأعراس بتلمسان هو طبق تقليدي يهودي زيادة على طبق  الخليع، الكران ..."  فكلها ذات أصول يهودية ، التي يؤكد الباحثون بشأنها أنها حلويات و مأكولات يهودية قحة و ليست تلمسانية مثلما يعتقد البعض ، إلا أن الموسيقى الأندلسية و مدائح الطرب الشعبي  و بعض طقوس الأعراس التلمسانية  من طيفور و الشاشية المفتولة بالذهب تعتبر تقاليد مارستها العائلات اليهودية أيضا و عززت استمرارها  في تلمسان،  بالإضافة إلى تأثير اليهود في الحياة الاقتصادية من خلال بعض الحرف التقليدية و تقنيات صناعة الذهب التي برعوا فيها  جعلت منهم برجوازيين وأصحاب مال و نفوذ ما مكنهم من التأثير بسهولة على  السلوك الاجتماعي ،و العادات ،و التقاليد ،و الأفكار السائدة وقتها و حتى الموروث الشفوي  وذلك للتزاوج ما بين اليهوديات واعيان تلمسان كما  تؤكد الكتابات أن يهود تلمسان كانوا يرفضون تزويج أبناءهم لبنات المسلمين بينما يزوجون بناتهم لأبناء مسلمين ، يقولون في ذلك " الله يجعل في كل كْديَة تكون ولية "  باعتبار أن المرأة اليهودية تزرع السلالة اليهودية و تؤثر أكثر في النشء مما يؤثر الرجل اليهودي، هذا و كان معروف عنهم فرضهم لمهور غالية كحزام اللويز الذهبي مقابل تزويج الفتاة ، و غلاء المهور هي سمة توارثها التلمسانيون من اليهود. هذا و بالنسبة للموسيقى الأندلسية تقول مصادرنا أن عديد المدائح تعتبر يهودية  و عديد الفنانين الذين أدخلوا هذا الفن الأندلسي في تلمسان ذوو أصول يهودية.

مكر و حيلة و بخل

تجمع الدراسات أنه  رغم التعايش والعلاقات إلا أن اليهود كانوا يتميزون بالمكر و الحيلة و البخل  و ما العبارات التي  كانوا يرددونها إلا دليل على ذلك  كقولهم  مثلا "ما كان والو في سوق البشير "  عبارة كان يرددها اليهود و أصبحت موروثا شفويا لا زال متداولا لحد الآن ، رغم انه استهزاء بالمسلمين من خلال استعمالهم عبارات ضمنية تسب رسولهم  محمد ، و سوق البشير يقصدون به سوق محمد (الذي جعله الله بشيرا و نذيرا حسب المسلمين )  أي عندما يقول اليهودي هذا الكلام فهو يستصغر أمة محمد مباشرة  ويصفها على أنها فارغة و غير مجدية ، و  مقولة أخرى تعبر عن حقد دفين وغيرة "الله لا يصبحك على واش شفت اليوم" فتقول الروايات أن اليهود و كل صباح كانوا يتفقدون الثروة التي يملكونها من ذهب ، فلما يلتقي بجاره المسلم مثلا و يسأله عن أحواله  يرد اليهودي بالقول الله لا يصبحك على واش شفت اليوم و المسلم يعتقد انه رأى سوء و يرد بالقول آمين ، أما من ناحية المكر و البخل ، حيث تقول إحدى الروايات أن امرأة يهودية في يوم السبت الذي كان يقدسه يهود تلمسان و يوقفون فيه أي نشاط حتى إشعال النار في المطبخ أو وضع النقود في الجيب  كانت تستنجد بجارتها  المسلمة لتقلي لها البرانية أي الباذنجان بحجة أن اليوم هو مقدس و كانت اليهودية تعصر الزيت منه ،و تستعملها في طبخ آخر لغلائها في السوق آنذاك ، وهي قصة متداولة عند التلمسانين تعكس مدى بخل اليهود و دهاءهم .

هذا ورغم ما يقال عن العلاقات التي ميزت اليهود بسكان تلمسان خلال  استقرارهم بها  الا أننا كمؤرخين لابد من جمع كل  الموروثات بحقيقتها لان تعبر عن شعوب تعايشت فترة من الزمن أثرت وتأثرت وتركت عادات لاتزال قائمة اليوم بعضها عن علم وأخرى عن جهل وأصبحت رمزا من رموز المجتمع المعروفة وطنيا  وحتى دوليا وساهمت في ظهور حضارات كبرى فيما بعد ، كما ساهمت  في تحويل تلمسان الى قطب ثقافي بامتياز .