وادي سوف.. أرض التقاليد الصامدة أمام عواصف الابتذال - الوسط الجزائرية

وادي سوف.. أرض التقاليد الصامدة أمام عواصف الابتذال
ص: أرشيف
01 ماي 2017 روبورتاج: سارة بومعزة 1370

"بنية العرجون"، "النخيل" و"القباب الجميل"

وادي سوف.. أرض التقاليد الصامدة أمام عواصف الابتذال

الداخل الى ولاية الوادي باحثا خلف أركانها الصامدة، الضاربة في عمق تراث المنطقة وهويتها، يلاقي الدهشة أمام رحابة أهلها، وقوة تمسك عناصرها التراثية بالبقاء، من مقهى حما الباهي مقصد "يا بنية العرجون"، الى مقهى "العوانة" أو عمال بالبناء باللغة العربية، الى جامع الـ55 قرون الوقف من أقارب أبو القاسم الشابي.


مقهى "حما الباهي" .. اليتيم الصامد في وجه "التبليط"

من أبرز "التحف" التقليدية المثبتة لهوية وادي سوف، المقاهي الرملية، أو بالأحرى "المقهى الرملي"، كونه لم يبق سوى مقهى يتيم على مستوى الولاية، وهو ما يحرمنا من بعثها بصيغة الجمع، تجسد المقهى الوحيد الصامد في "حماباهي"، ليراجع الزائر ذكريات تراث الولاية مع كوبه من الشاي بسعر لا يتجاوز 155 دينار.

يتوسط المقهى الرملي التقليدي "حما باهي" سوق الوادي على مستوى ساحة اليهود قديما، أي ساحة فلسطين حاليا، ويحتل المقهى التقليدي المتربع على مساحة بسيطة، يتوسطها محيط رملي، يجمع شمل الوافدين على الرمل مباشرة  لرشف الشاي على الطريقة التقليدية، في جو من اللعب من "دومينو"، على الأغلب، في حين أن الداخل اليه يلاحظ توسطه لدكاكين القشابة التقليدية، مع سمة التآكل التي أتت على مدخله البسيط نظرا لعوامل الزمن عبر قرن من الصمود، يوصلك بعده مدخله الطويل نوعا ما "كدهليز صغير" الى الساحة الرملية حيث تتحلق الجموع مع اكواب الشاي.

مقهى حما الباهي، المتوسط للسوق المركزي لوادي سوف، والضارب في العمق التاريخي، حيث يعود لما قبل القرن من الزمن، وشهد حقبات من الاحتلال الفرنسي وطالما جمع الوافدين، يعاني اليوم من عوامل الزمن من قدم وتفتت أرجائه في ظل قلة أو انعدام دور السلطات المعنية، في الحفاظ على هكذا معلم لتراث الولاية.

"الوسط" لدى زيارتها للمقهى أول ما لفت الانتباه هو الديكور التراثي للمقهى، على ضيق مساحته وبساطته، إلا أن الجو يلفحك بنسمات تراثية، سواء من ناحية الأرضية الرملية، أو طبيعة التجمعات الدائرية من طرف الرواد الذين جعلوا من الرمل موطئ جمع لهم، وأكواب الشاي في غدوها ورواحها، أو من جانب الاكتظاظ الذي يعرفه.

الإكتظاظ دلالة تشبث السوفيين بتراثهم

يعرف مقهى "حما باهي" اقبالا واسعا من طرف سكان المنطقة، وإن كان التركيز يقع على وجه الخصوص على فئة الكهول، في حين يعرف بعض العزوف من طرف الشباب وهو ما لقى الكثير من اللوم من طرف المشرف على  المقهى حاليا، نظرا لما يمثله من تراث للولاية وأهلها، وضرورة التمسك به، إلا أن نسبة العدد الكبير بداخله تكشف عن تمسكهم بهكذا عادات ضاربة في القدم، وسط جو من القصص التي تتجاذبها أطراف الحديث بين الفينة والأخرى مع لعب الدومينو، الذي يحول الرواد الى جماعات متحلقة حول دائرته تمزجها أكواب الشاي، احيانا بعض المشروبات الغازية، في فكر واحد، من الحياة العامة الى السياسة والرياضة كعموم الشوارع أو المقاهي الجزائرية.

المناعي .. عامل الزمن وهجران الشبان

كشفت لنا زيارة المكان، أن المقهى بتراثه المعنوي بخاصة، يجعله محلا أو المقهى الأول لعميد الأغنية السوفية عبد الله المناعي، بخاصة في يوم السبت، مبرزين أن صاحب رائعة "يا بنت العرجون" يفضل الجلوس على الرمل ورشف كوبه من الشاي، وسط أقرانه، وأهل ولايته، على تلك الرفاهية البعيدة عن التراث، إلا أن الحظ لم يسعفنا للقائه رغم أن زيارتنا توافقت ويوم السبت الأكثر إقبالا.

من الجانب السياحي وعلى رغم قدم وعدم تجديد المقهى، كشف لنا المشرف أن السياح بدورهم يقبلون على المقهى، من باب التركيز على أرضيته الرملية، والتي صارت جد نادرة عبر مختلف الأرجاء على رغم أنها الاساس في المناطق الصحراوية، فعلى مستوى الوادي يمثل مقهى حما باهي الجدار الوحيد الصامد أمام "التحديثات" ومواكبة التغييرات التي تجلبها.

"حما الباهي" .. قرون من الصمود 

أكد لنا المشرف أن المقهى رغم قدمه وبمدة تتجاوز الـ100 سنة، إلا أنه حافظ على شكله الأول منذ إنجازه وبأنه لم تطرأ عليه أي تحديثات، رغم تجديد عدة مساحات قريبة منه، في حين تبقى الترميمات مع الحفاظ على شكله التراثي هي المطلب الاساسي والمغيب رغم كثرة الوعود.

الترميم يطمس الهوية والتقاليد

كشف لنا المشرف على المقهى، أن الوصاية سبق وأن وعدتهم أكثر من مرة بالالتفات الى المقهى ودعمهم من اجل ترميمه، آخرها كان منذ حوالي الـ5 سنوات ، في حين اكتفوا بترميم الساحة المحاذية بالسوق، دون الاهتمام بالمقهى، لتبقى الوعود رهينة التسويف، رغم أنهم طالما اشادوا بالمقهى ودوره التراثي، ليبقى الكلام حبرا على ورق، أو دون ذلك أو حتى بذل الجهود من أجل تشجيع هذا الصرح.

وفي ظل غياب التفات السلطات، أوضح لنا القائم على المقهى أن ايرادات المقهى غير كافية من أجل النهوض به وترميمه ليبقى التآكل هو السمة البارزة على أحد معالم واد سوف المغيبة.

للقعدة مذاق في مقهى برقينقات 

بالمقابل وعلى بعد المسجد العتيق، نجد مقهى برقينقات، الذي تعود ملكيته حاليا الى "مصطفاوي" وهو من قرر بعد الاستقلال التخلي عن الساحة الرملية للمقهى وتبليطها، في حين حافظ على نمط آخر من التقاليد أو صورة وادي سوف للمرحلة الأولى من الاستقلال، بمجموعة من الأدوات التي كان يستخدمها رواده والمستأجرين للغرف المحاذية له، إبان تلك المرحلة، حيث تسجل الأدوات صورة تقليدية للأيام الماضية على محيط حيطان المقهى، المتميز بمساحته الاوسع المترامية عبرها الطاولات بكراسيها، في حين يفضل آخرون بساطة الأرض لتسهيل لعب "الدومينو".

فهذا المثال التقليدي تحاذيه غرف للكراء للآن، في حين تلاحظ مختلف أدوات الشغل الخاصة بعمال البناء على وجه الخصوص، من جذع نخلة يقابلك عند مدخل المقهى، الى جلد الماعز على الباب، وصورة رملية على الحائط بالمدخل لـ"بنت العرجون" أو الفتاة السوفية.

وأوضح لـ"الوسط" القائمون على المقهى أنه يعود الى الحقبة الاستعمارية وبالتحديد أربعينيات القرن الماضي، حيث كانت ذات أرضية رملية، خاصة أغلب روادها من عمال البناء، حيث كانت مركز لتلقيهم أجورهم، ليتم تحويل أرضيتها من الجانب الرملي الى البلاط في الـ1962 الى 1963.

ومن أهم الأدوات التي يمكن تسجيلها يعلق بذهنك المنسج القديم، والفأس، مع مهراس قديم، وحتى الجفنة، وكلها أدوات عتيقة صامدة في المكان لتروي قصة عمال البناء الذين مروا عليها، أو بحسب تعبير مواطني الوادي "العوانة".

المسجد الكبير .. أعتق بنايات المنطقة

يعود المسجد الكبير أو "العتيق" الى سنة 1590، بناه الشابي المسعودي، وتعود أصوله للحدود التونسية، وهو من نفس عائلة أبو القاسم الشابي الشاعر التونسي المعروف، حيث عمد الى تحويل قطعة الأرض الى وقف جزء منها لبناء المسجد والباقي لغرف للكراء عائداتها وقف للمسجد وبالتالي الى مديرية الشؤون الدينية حاليا.

وعرف المسجد على حد ما أكده لنا الإمام المتطوع بالمسجد محمد شبري، عرف سلسلة من التحديثات وحتى التوسيعات آخرها 1930، وهو الطراز الحالي للمسجد، على مساحة 32 على 20 متر.


"الشناوة" يختطفون صناعة "القشابة" السوفية أسطورة اللباس الصحراوي الجزائري


ويعد المسجد أعتق بنايات الوادي مع سوق الواد سيدي مسعود، ويحتوي على مكتبة واسعة وعريقة، بكتب قديمة منها فتاوى ابن تيمية، في فقه المالكي، مدونات الإمام مالك، والفقه الميسر الزحيلي.

واضاف لنا الامام اهمية المسجد نظرا لعراقته وأهميته كمعلم من معالم الوادي التي سجلتها "الوسط" اثناء زيارتها للمنطقة، كاشفا لنا ذكر المسجد في كتاب "الصروف في تاريخ الصحراء وسوف" لابراهيم العوامر .

قشابة الصوف اللباس المفقود 

حاولت "الوسط" خلال جولتها عبر السوق المركزي بالوادي البحث عن الملابس التقليدية، أو القشابة الرجالية السوفية المصنوعة من الصوف، والحلي اللباس التقليدي النسوي، حيث لم نتمكن من العثور على الأولى وكان المتواجد من القشابة الرجالية هو الجلفاوية من الوبر، لكن أسوأ ما صادفنا وما اعتبرناه طعنة في ظهر التراث السوفي هو اختراق الصناعة الصينية للقشابة المحلية، بحيث يتم استيراد مادة صنعها كم "وبر" صيني جاهز من الصين، وهو وبر اصطناعي، بسعر حوالي 4800 دينار، لتستبدل بقشابة التراث بفعل عامل فارق السعر المقدر في بعض الحالات بـ 20 ضعفا، رغم هشاشة الدخيلة وعدم نجاعتها في الوقاية من برد الصحراء الجاف.

ويبدو ان المنتج الصيني لا يزال يراهن على أو يعزف على نفس الوتر في ايصال اختراقه حتى للتقاليد هو وتر السعر على حساب الجودة، وهو ما نجده متجسدا في هكذا مثال.، بل يتعداه أحيانا الى عدم تصدير القماش فقط، بل القشابة ككل.

وإن كانت القشابة السوفية تقاوم رغم الصعوبات التي تواجهها وجدنا أن الحلي النسائي بلغ درجة الاندثار بعثورنا عليه في المتحف فقط، دون باقي المحلات رغم كثرتها ورغم أن سوق الوادي هو المركزي، في حين جاء التبرير بعد مواكبتها وكذا بلونها الأسود غير الملائم للأعراس، لتبقى حاضرة باحتفال الوادي خلال شهر مارس فقط.

اقرأ أيضا..