طباعة
أريف فج أمزالة
أريف فج أمزالة
24 كانون1 2018 7006

أرياف فج أمزالة والتقاطعات الأندلسية في نواحي عديدة

"...ومن بين ما يثير الانتباه اشتراكُ القبائل الصغرى الجزائريين ونظرائهم المغربيين في خصائص عديدة. من بينها التشابه المورفولوجي الجسدي، التشابه اللساني في اللهجة وأسلوب نطق مخارج الحروف ونغمة الكلام، التماثل في الأساليب والتقنيات الفلاحية وهياكل تخزين وحفظ الغلال وحتى في طبيعة النشاط الفلاحي الجبلي الذي اعتمد على غرس أشجار الفواكه والزيتون والخضار بشكل رئيسي وشيء من الحبوب، وهي عموما التقاليد الفلاحية التي كانت شائعة في الأندلس وبمصطلحات ومسميات أندلسية ، مع العلم أن القبائل المغربيين يعيشون هم أيضا في مرتفعات جبلية غابية مثل نظرائهم الجيجليين، ويُسَمَّوْنَ بقبائل الجْبَالة.


كما يجمع بين قبائل الصغرى الجزائر والمغرب تشابهٌ كبير في الفلكلور الغنائي والتقنيات الصوتية في الأداء القريب من أسلوب العَيْطَة. 
ومما يشترك فيه الطرفان أيضا كونهم ورثة الثقافة الأندلسية بعد زوالها في الأندلس إثر انهيار الحُكم الإسلامي.

كما توجد نقاط أخرى مشترَكة بين قبائل المغارببة الجبالة وقبائل الصغرى الجزائريين تتمثل في استخدام عبارات إسبانية يبدو أنها مما ترسَّب من الإرث الأندلسي/الموريسكي في التقاليد اللسانية المحلية، والاشتراك في أسماء أماكن تبدو مُستنسَخة من حواضر وقرى في الأندلس. فالجيجليون في المناطق الجبلية إلى غاية ستينيات القرن 20م على الأقل كانوا ما زالوا يستخدمون، على سبيل المثال، عبارة La Lica (اللِّيقَة) وينطقونها "اللِّيكة"، فيقولون "اللِّيكَة دِي الكْطَنْ" (ليقة القطن)، وكانوا و لا يزالون يقولون للحوض المعدني أو البلاستيكي الذي يُشبه الدلو الكبير "البَانْيُو"(El baño)، وأطلقوا على إحدى المناطق الجبلية قرب بلدة الشقفة اسم "تَروبْيَة" علمًا أن حرف التاء هنا أداةُ التعريف بالأمازيغية و"رُوبْيَة" (Rubia) كلمة إسبانية تعني الشَّقراء، فيما يُقال للأشقر "روبْيُو" (Rubio). وتوجد إلى اليوم منطقة تُسمَّى "تُرُوبْيَة" في جنوب العاصمة الإسبانية مدريد وأخرى تحمل الاسم ذاته في شرق مدينة طَلَيْطِلَة...

وتشترك جيجل أيضا مع المناطق المغربية التي عمّرتها غالبية أندلسية/موريسكية مؤثرة في مُجمل السكان في اللهجة العامية التي ما زالت تحمل الكثير من خصائص اللسان الأندلسي، لا سيَّما الغرناطي، بمختلف أطيافه وفي العديد من الصيغ اللغوية. ففي جيجل، تطغى الكفكفة على اللهجة المحلية حيث تتحول "القاف" إلى "كاف". مثلما نُطقتْ "الكاف" لدى الأجيال السابقة، وربما إلى غاية منتصف القرن 20م، تش" على غرار القول "تْشُلْ" بدلا من "كُلْ" أو تْشِفَشْ" بدلا من "كيفاشْ" (بمعنى كَيْفَ)، وكان حرف "ض" و"ظ" حينذاك يُنطَقان "ط" وهي أيضا عادة أندلسية معروفة سادت حتى في مدينة الجزائر ودلَّس وغيرها إلى غاية القرن 20م. وبمقتضى ذلك، يقول الجيجليون القدامى و بعض جبال شمال عرباون خاصة الواقعة في نقاط التماس مع مناطق جيجل و ميلة : "بِيطَة" بدلا من "بيضاء" و"الطّْهَرْ" بدلا من "الظَّهْر" و"المْطَرّْبَة" بدلا من المضربة و"الطحْتْشْ" بدلا من الضحك" عند الأجيال السابقة التي لم تكن تُحِبّ حَرْف الكَاف، وعندما انحسر نطق حرف "ك" "تش" أصبح يُقال "الطَّحْك"...

وإذا قارنا ألسن هذه المناطق مع نظيراتها في المناطق "الأندلسية/الموريسكية" في المغرب، سنُفاجَأ بوجود الظواهر اللغوية ذاتها نظرا للجذور الإيبيرية المُشتَرَكة.

الباحث المغربي رشيد العفاقي، وهو ذاته ينحدر من أصل موريسكي من منطقة جْبالة في شمال المغرب، يتحدث عن المظاهر الأندلسية/الموريسكية اللغوية هناك قائلا إن "جْبالة الأصليين تأثَّروا بلهجة أهل الأندلس بسبب القُرب والمجاوَرة، وأيضا لأن جالية أندلسية كبيرة استوطنت بلادهم بعد الجلاء، وهذا صحيح وإنْ كان يُبقينا دائما في دائرة التأثير والتّأثّر. فالتّعريب الذي قامت به الجالية الأندلسية لم يكن شاملا في بعض القبائل المغربية ولذلك ظلت مُزْدَوَجَة اللّهجة إلى اليوم، في حين نجد أنّ بعض أهل القبائل الجبلية الشّمالية التي استوطنها الأندلسيون يعتبرون اللهجة الأندلسية هي لُغتهم الأم لم يَعْرِفُوا غيرها مثل قبيلة أنجرة التي لا نسمع فيها إلا اللهجة العربية الأندلسية ولا يُخالطها كلام آخر..."....".

فوزي سعد الله: الشتات الأندلسي في الجزائر والعالم. دار قرطبة، الجزائر 2016م.