بشار .. عندما يتحدث الخيال وسط خلوات الصحارى
28 كانون2 2018 1488

الغروب، الرمال، القصور الطينية ورسومات ما قبل التاريخ

بشار .. عندما يتحدث الخيال وسط خلوات الصحارى

روبورتاج: سارة بومعزة
  • سحر الطبيعة يرهن سياحها
  • جنان ضفاف الساورة تنتظر الاستثمار

تنقلك زيارة معالم بشار السياحية ما بين تتبع غروب الشمس على قمم كثبانها من تاغيت إلى بني عباس، وما بين قصوره لتقودك ما بين متاهاتها ودهاليزها، ومن جلسات الخيم والشاي إلى افتراش رملها وتتبع شروق وغروب شمسها، ورغم سحره إلا أن مسك ختامها تتبع بدر الصحراء على مسار العرق الغربي الكبير.

تُعرف تاغيت أو جل بشار بسيادة المناطق السياحية على ربوعه بداية من غروب تاغيت الذي تحول لرمز للمنطقة يجلب لها مئات السياح من الداخل والخارج خاصة عشية رأس السنة الميلادية، وصولا للمناطق السياحية عبر بني عباس وقصرها المنيع إلى الآثار المخلدة للإنسان البدائي عبر رسوماته التي أبدع من خلالها رسائله العابرة لزمننا، تلك المعالم كانت مسار جمعية "نبض الشباب" عبر قلب الساورة، أو كما يسميها أعضاء الجمعية "دورية نحو الجنوب".

تاغيت .. الغروب، الواحات والقصر

رغم تركيز الحديث عن جمال تاغيت الساحر والتي تستقبلك ببوابة مدخلها، كاشفة أمام عن سحر الماضي من تراث وإبداع الطبيعة ما بين مزاوجة بين رمالها وواحاتها، تراثها وحفاوة أهلها، توصلك بكثبانها الرملية التي صارت ملاذ آلاف السياح قادمين من الداخل والخارج ليلتحقوا بأعالي الكثبان الواقعة قبالة المدينة وواحاتها وقصرها القديم المشيد بالطين ليحافظ العديد من أهله على استوطانه لليوم، رغم امتلاكهم لبنايات حضرية خاصة، فيقابلك بين ثناياه التراثية العديد من الأجانب وسط دهشتهم من النمط العمراني وإحيائه لليوم، في حين يحاذيه جنوبا واحات نخيل تمتد على طول المدينة لتكون الحد الفاصل بين عالم الساكنين وبين خلوة الكثبان والتي يبدو امتدادها غير منته. كثبان يخترق صمتها جولات على صهوة الجمال أو على دراجات "الكواد"، قبل أن يلتحق زوارها بسوق المدينة الذي يكشف عن اختزانه لمجموع: من الأوشحة وما يحملونه من تحف تذكرهم بالمدينة، وسط الأكلات التقليدية، عبر الخيم المنصوبة مع ليالي الشاي وعلى ألحان المنطقة.

إلا أن جمال المنطقة ما بين تراث وواحات لم يستطع مضاهاة الكثبان التي تمثل ساحرة الزيار وعامل جذبهم الأول، فأعالي خلوات تاغيت تكشف أمام زائرها، جمالا آخر كثيرا ما اشتاق له عاشقو هدوء الصحراء، فهي التي ترسم أمام سائحها صورة شاسعة من الكثبان تشعر ناظرها أنها لا متناهية من ورائه، إلا أن أمامه يكشف له سحر غروبها، بينما تلقي الشمس أشعتها الخافتة على محيط المدينة ونخيلها بصورة جعلتها تكتسح قمم أجمل مناطق الغروب، فتغادرها وهي تملأ خيالك، خاصة مع ميزة رمال الساورة باللون الذهبي الغامق.

هضبة الصخرة تحيي ما قبل التاريخ

مغادرتك لحصون تاغيت على سحرها لا يعني نهاية جولتك، حيث تعاود استدعاءك إلى إبداعات ما قبل التاريخ الخالدة لليوم، مجسدة تعابير أساليب الحياة آنذاك على رأسها البقر الوحشي، من صور لحيوانات برية سادت المنطقة منذ آلاف السنين موزعة من أسفل إلى أعلى المرتفع الذي يشكل هضبة صخرية، حيث عبّر عنها مبارك الميلي في كتابه، تاريخ الجزائر في القديم والحديث "عبّر المؤرخون عن قدماء افريقية الشمالية بالبربر، لكن سبقتهم أمة العصر الحجري في المنطقة، وهي أمة غير أمة البربر، بدليل القبور الأثرية "والبربر ينسبون هذه القبور الى "الجهلاء"، و"هؤلاء كانوا وثنيين وانقرضوا منذ دهر بعيد جدا"، في حين تنهي زيارة المتحف الطبيعي لعصر ما قبل التاريخ بمتحف تراثي بـ"قعدة" تقليدية تتحلق خلالها حول موقد جمر، ترتشف شايك على ناي غروب الشمس.

جوهرة الساورة .. قصر بني عباس في استقبالك

كما تستدعي الجولة التنقل إلى إحدى أهم المدن ذات البعد التاريخي عبر بشار، تقطع الكيلومترات تحاذيك المناطق الصخرية لتصادفك بالتقائها بالكثبان الرملية في صورة مبهرة، لا تقطعها سوى رمز الصحراء عبر إفريقيا بأشجار الأكاسيا، لتلتف حولها قطعان من الإبل وسط تلك الفيافي البعيدة، قبل أن يصادفك تغير الصورة تماما إلى واحة لتنتقل إلى إحدى حواضر الساورة، فتنكشف أمامك بني عباس، بقصرها الذي يعود تاريخ إنشائه إلى 1656، يرافقنا عبر مسالكه أو "متاهاته" نظرا لصعوبة طرقه، ابن القصر جمال بن أحمد الذي عاد بـ"الوسط"، إلى ذكرى توحيد قبائل المنطقة وبناء مسجد موحد لهم، تلته مرحلة بناء المنازل بمحاذاة المسجد، في حين كان يعتاش السكان من الطبيعة المحيطة بهم بشكل كلي باعتماد محلي تام، وجاء بناء القصر بشكل يحمي القبائل من إغارة القبائل المجاورة وبناء على ذلك تم هندسته بشكل يجعل حركة الوافد عليه جد صعبة دون توجيه، أو تجعل منه متاهة، وصٌمم له 3 أبواب، معززة بحفر خندق حول القصر يغرق بالماء، و3 مواقع حراسة، إلا أن السيل أتى على القصر وخلّف به أضرارا واسعة خاصة على مستوى المنازل.
ويقسم القصر الذي استغلت مواد بنائه الأساسية من الطين وبقايا النخيل، إلى، السوق، والمنازل والساحة، والتي طالما احتضنت مناسبات المنطقة من أعراس إلى الاحتفالات الموسمية، والتي يمثل المولد النبوي الشريف أكبرها، وتعود تقاليده الحالية التي يطبعها احتفالات واسعة، إلى تناهي نبأ عزم إحدى القبائل على غزو القصر بالتزامن واحتفالات المولد، وبناء على التحذيرات جهز أهل القصر بنادقهم للحماية، حيث تم توزيع السكان عبر دوائر الداخلية ضمنت الأولاد، تلتها دائرة الكبار ثم حاملو البنادق، ومنذ الحادثة سرت عادة الاحتفال بالبارود.

وبخصوص نقطة الفيضان الذي أتى على بعض القصر وخلف أضرارا به، من بينها 300 منزل، حيث سبق وأن عمدت السلطات إلى ترميم القصر في 2011، إلا أن ما فاجأ أبناء القصر قدوم الجرافات للاتيان على البقية المتبقية وإعادة البناء من نقطة الصفر، وهو ما وقفت ضده جمعيات المنطقة، دون احترام النسخة الأصلية لإعادة القصر لما كان عليه، رغم احتواء المتحف على خريطة توشح الشكل السابق للقصر. كما تدارك جمال بن أحمد خلال توضيحه لنا، أن السلطات عاودت عملية الترميم السنة الفارطة، مع احترام المعايير السابقة لهندسة القصر، مركزا على دعوتهم لنقطة تشكيل لجنة بالمنطقة لإعادة الترميم تضم مهندسين وأبناء منطقة عارفين بهيئة القصر.
بالعودة إلى المعالم الداخلية للقصر، والذي يضم إلى جانب السوق والساحة، نجد محاذاة المنازل دار الزاوية ودار الضياف ثم المسجد، ليأتي الدور على ضريح موحد القصر محمد بن عبد السلام، ثم المنطقة الخارجية المحاذية للوادي، عبر أزقة القصر تلاحظ ما تعرف بـ"الدكانة"، وهي عبارة عن بناء محاذي للحيطان على شاكلة الكراسي يخصص لجانبين، الأول للراحة، وثانيها: في حالة تصادف عبور إحدى النساء وسط مرور رجال فتعمد المرأة إلى الاحتجاب بالصعود فوق الدكانة وإتاحة الفرصة لمرور الرجال. كما تلاحظ عبر المنازل الأبواب القصيرة والتي تقتضي من داخلها أن يطأطئ رأسه، ذلك أن الداخل إذا كان رجلا فإن ظله سينعكس للنسوة بالداخل ويتيح لهن فرصة الاحتجاب.  تلك التقنيات يمكن لمسها حتى على مستوى المسجد، بنوافذه الضيقة من الخارج الواسعة من الداخل، بهدف استغلالها في إدخال أكبر قدر من أشعة الشمس "الإضاءة"، بالمقابل تعمل توسعتها من الخارج دور مكبر الصوت.
وعلى غرار تاغيت جمال جوهرة الساورة "بني عباس" لا يكتمل دون كثبانها الرملية، التي تراوح عشاقها بين متزحلق على الرمال، وبين متجول على الجمال، وبين من اختلى بنفسه ما بين كثبانها وغروبها.

التصرفات الهوجاء تطعن سحر المنطقة

يبدو أن سحر المنطقة لابد وأن يصطدم ببعض التصرفات الفوضوية، على رأسها التجاوزات بحق
خاصة الرسومات الصخرية الخاصة بما قبل التاريخ وكتابة الأسماء عليها مشوهة بذلك قيمتها التاريخية وقداسة مكانتها، والأهم مشوهة مدى وعي الزائرين بالقيمة التاريخية للمنطقة التي زاروها، كونهم فضلوا "تخليد" أسمائهم على مستواها على حساب الحفاظ على مقامها، كما أن تلويث الرمال ينال بعض الحظ من تلك التصرفات ببقايا ما يستعمل من مستلزمات فيمكنك إيجاد مخلفات تتراوح بين القارورات وصولا إلى بقايا الألعاب النارية. من ناحية ثانية رغم سحر المنطقة إلا أنه يغلب عليها المناسباتية بدل التنظيم، كما نلمس بخصوص قصر بني عباس غياب تنظيم، حيث تتم العملية بشكل تطوعي للإشراف والإرشاد دون أي اتفاق بين الجمعيات والسلطات.

 

اقرأ أيضا..