البرازيل كتبت نفسها، التفاصيل ترهقني والكتابة لا تطعم خبزا..
09 تشرين1 2018 966

بعد صدور مؤلفه الثالث بعنوان "كنت في البرازيل" نجم الدين سيدي عثمان يعترف

البرازيل كتبت نفسها، التفاصيل ترهقني والكتابة لا تطعم خبزا..

يغوص الكاتب والصحفي نجم الدين سيدي عثمان في أدب الرحلة من جديد، يغرق في عالمه الخاص، عالم يبنيه من الدهشة والإعجاب، حيث لا ملل ولا فتور، بأسلوب شيق، يجيد الكاتب أسرنا، إنه يتلاعب بنا كما يشاء، يعطل أمورنا، فعندما يبدأ السرد لا ينتهي وكلما شعرنا بالممل عرّج بنا إلى محطة ممتعة فلا نترك المخطوط، وكلما ارتفع نسق الكتابة يعود إلى بساطة غير متاحة للجميع، فهو يكتب بأسلوب بسيط لكنه أنيق، إنه لا يقول أننا ذهبنا وأكلنا، ولكنه يرفع اللقمة إلى فمك،بعد أن يسيل لعابك، هذه المرة من البرازيل يعود بنص جديد، كان لي شرف الإطلاع عليه، نص يأسرك من الطائرة في السماء التي تنتظر الهبوط على مدرج مطار "ساو باولو" فتقع في ورطة شديدة نقع فيها كلنا، والمخرج أيضا سيكون من الطائرة وبين هذا وذاك الكثير من الحكايات والقصص والأعاجيب، لقد نجح في أن يجعل البرازيل سهلة وطيّعة، البلد المتسع مترامي الأطراف صار في متناول اليد، كجسد نتحسسه وروح نشعر بها، سألته عن عمله فكان هذا الحوار.

لماذا كتاب آخر في أدب الرحلة؟

لأن البرازيل هي التي شاءت لا أنا، عندما كتبت هذا المخطوط، قدمته لمؤسسة إعلامية ولدار نشر في شكل كتاب رياضي ولم ترحبا بنشره، كان ذلك قبل 4 أعوام، عدت قبل مدة إلى المخطوط فكان من الرائع أنه لم ينشر، حولته من كتاب رياضي إلى كتاب في أدب الرحلة، ألبسته الروح، وزدته بعض البهارات، وما تعلمته في السنوات الماضية، لقد اكتشفت أنني جمعت كما هائلا من المعلومات عن البرازيل، لم تكن المشكلة هذه ولكن كيفية احتضان كتاب واحد لكل تلك المعطيات، فكان لا بد من التكثيف، إن هذا النص هو الذي فرض على نفسه أن يخرج إلى الواقع، لا أنا من اخترت ذلك، فالبرازيل التي ستقرأون عنها مختلفة تماما عن البرازيل التي نعرفها من خلال الكرنفال وكرة القدم والسامبا وبعض "الكليشيهات" الرائحة..

ما الجديد الذي ستقدمه لنا؟

صحيح أنني زرت تمثال "المسيح الفادي" و شاطئ "كوبا كابانا" و ملعب "ماراكانا" وهذه نقاط جذب معروفة، لكن العمل يركز على التفاصيل التي لا نعرفها، عن المخفي عن الموروث عن الثقافة المحليةوالشعبية والأمثال والأساطير، عن التنوع، لقد زرت أجمل شارع في العالم وأول مدينة في التخطيط، والمدينة التي لها أفضل نظام نقل بالحافلة في العالم وأساسه أنبوب أسود، والمدينة التي يحكمها 50 ألف شخص يقررون مكان رئيس البلدية وأول عاصمة للبرازيل وهي عاصمة الرّق والتراث الأنغولي، وزرت الشارع الوحيد في البرازيل الذي يمكنك الحديث فيه بالعربية دون أن يستحضر ذلك نظرات الاستغراب كما أرّخت لشارع النميمة وعاصمة الوعاء القذر في مدينة تسمى الأفق الجميل، كما وقفت على سوق اسمها "عديمي الضمير" وعاينت أمورًا غريبة كبيع شهادات إقامة لأجنة لم يولدوا بعد كما كنت جزءًا من الكراهية بين الأرجنتيين والبرازيليين وفي الكرة لا أكتب بشكل جاف، فأتطرق إلى المنتخب والرأس التي ثمنها 5 ملايين يورو، وفقدان أحد اللاعبين البصر قبل مباراة روسيا، و "الأفخاذ البيض" الذين لجأ إليهم الفريق قبل مباراة مصيرية وخبايا هذا الفريق الذي ليس 23 لاعبًا ولكنه كل مشكلُ من طباخين وعقول مدبرة ومحركة و"بودي غارد" وغير ذلك من الجزئيات، كما عاينت الفوارق بين الشمال البرازيلي حيث الهند والجنوب التي تسمى بلجيكا في بلد لم تتوزع فيه الثروة بشكل عادل وظلمت الجغرافيا بعض مناطقه عكس ما هو عندنا تماما حيث الشمال مزدهر والجنوب متقهقر، إن الكتاب يراهن عموما على ألا يصيب من يقرأه بالملل كما أنه موجه للجميع فقد كتب بلغة بسيطة وسهلة ومباشرة بلا تكلف.

اعتمدت على قصص قصيرة وعناوين سريعة، لماذا هذه الاستراتيجية؟

لأن القارئ اليوم لا وقت له، إما أن تأسره بقصص سريعة وخفيفة ومسلية وإما أن ينصرف عنك، وبالتالي كان لا بد من الاختصار لكن دون أن يكون مخِلا بالمعنى فقد كان هناك تكثيف للمعاني في أقل عدد من الصفحات.
تحضر الرياضة أيضا في الكتاب، فهل يمكن وصفه بالكتاب الرياضي الذي يرتدي أزياء حلة أدب الرحلة والسير الذاتية؟
لا على العكس من ذلك هو كتاب في أدب الرحلة، يمر على الرياضة، فمسار السرد يتبع الفريق الوطني، وهذا الفريق لا ننقله كهيكل جاف، فنتطرق إلى الخبايا والخفايا، حتى القارئ الذي يعاف كرة القدم، يجد نفسه معنيًا، إننا لا نتحدث عن تكتيكات اللعب وخطط الفريق ولكننا نتحدث عن قصص إنسانية متدفقة حصلت بعيدًا عن الأعين ووراء الأسوار فيما يأخذ الكتاب يأخذ في كثير من الأحيان مسلكًا خاصا فالمنتخب الوطني مثلا لم يزر "سالفادور" في الشمال ولا "ساو باولو" و لا "ريو دي جانيرو" لكن هذه المدن تحضر بقوة في النص.

ما الذي تخطط له من خلال هذا الكتاب؟

أنا أكتب لأنني بحاجة إلى ذلك، وليس لأنني أريد شهرة أو مالا، الكتاب لا أجني من ورائه شيئًا ماديًا، عدا ترك بصمة وتخليد لحظة والمساهمة في المكتبة الجزائرية، لقد آسفني لقاء الكثير من الطلبة والأساتذة الجامعيين في معارض الكتب وهم يشتكون غياب المراجع في أدب الرّحلة، لعلنا بذلك نفتح لهم نافذة صغيرة في زمن يزور مئات الصحفيين كل بقاع العالم دون أن يدونوا ما عاشوه، لعلها تكون دعوة للتدوين.
هل يمكن القول أنك تؤسس لمشروع يرتكز على المغامرات والترحال فحتى روايتك السابقة، تتطرق لموضوع السفر؟
خضت الكثير من الرحلات أعطتني زادًا، وهذا الزاد مهم في الكتابة، الكاتب بلا تجارب ولا زاد معرفي لا يمكنه أن يكتب شيئًا ذا قيمة، حتى وإن كان قارئًا بارعًا، الترحال نحتني وغيّر الكثير في وجعلني أضعف مما كنت عليه من قوة، لقد جعلني مهووسا بالتفاصيل، وهذه التفاصيل تقهرني، وتدفعني لكتابتها، وربما لن يخرج النص القادم عن هذا السياق (يضحك).

لماذا لا يكتب الصحفيون مع أنهم أقرب من غيرهم إلى الكتابة؟

هذا السؤال يٌطرح على الصحفيين، ما يهمني أنني أكتب وأدون وسأواصل، إذا كنت أفكر في المقابل المادي فسأتوقف اللحظة، في بعض الأحيان ندفع من جيوبنا لنٌقرأ، وشخصيًا فخور أنني أعدت ربط كثيرين بالمطالعة والقراءة بعد توقف طويل، لكن ربما يعود الأمر إلى مشاغل الصحفيين، سيأخذون من وقت عائلاتهم ووقتهم في العمل، في النهاية بلا مقابل، الأمر في النهاية يحتاج إلى إرادة حديدية وقدرة على الكتابة لأجل الكتابة، فقط لأننا نشعر أن التفاصيل تريد أن تخرج إلى الورق.

كيف تقيم تجربة النشر الأولى بالنسبة لك مع كتاب "رحلات جزائري في ربوع إفريقيا" و ثانيا مع رواية "هجرة حارس الحظيرة"؟

كانت موفقة جدًا، الكتاب الأول اعتقد أنه كان أكثر الكتب مبيعًا في صالون 2016 بأكثر من 600 نسخة مباعة، والرواية أيضا، وهذه معلومات لست أنا من أقدمها ولكن إدرارة الصالون الدولي للكتاب وكذلك مجلة "سيلا"، ليس فقط على صعيد الأرقام ولكن على صعيد الاحتضان وردود الفعل وتجاوب القرّاء، أنا في النهاية لا أكتب لأشتهر، فأنا عاشق للصفوف الخلفية، ولا أحب الضوء ولو كنت كذلك لما ضيعت على نفسي فرصًا كثيرة اتيحت في الإعلام المرئي، لهذا السبب اشتغل في هدوء على أمل أن تتحسن وضعية الكاتب في الجزائر، ففي الوقت الذي يتقاضى فيه الفنانون مئات الملايين لا يمكن للكتابة أن تصبح مهنة، لا يمكن أن تٌعيّش صاحبها، تستنزف الروح والجسد بلا مقابل، المقابل حتى الآن هو دعم واحتضان القراء وتجاوبهم، وهؤلاء هم رأس المال ولكن القادم سيكون أفضل، علينا أن نتفاءل حتى وإن كان كل شيء محبطًا، على الأقل نقولها لأجل هؤلاء الذين يفكرون في الكتابة..

حوار  : صابرينة شاناز بن شريف

اقرأ أيضا..