"جميلة".. جوهرة تعيدك إلى عمق الحضارة الرومانية
09 آب 2018 402

مدينة تزورها في كل الفصول

"جميلة".. جوهرة تعيدك إلى عمق الحضارة الرومانية

تعتبر مدينة جميلة الأثرية بولاية سطيف، تحفة فنية عريقة لمدينة أثرية رومانية، حيث يكتسيها جمال هندستها المعمارية الرومانية الأصيلة وفنيتها الرائعة التي جسدت بها مختلف أجزائها من الركح المسرحي إلى الأحياء والأعمدة الشاهقة.


تقع مدينة جميلة الأثرية، أو مدينة “كويكول”، على بعد 50 كلم شمال شرق مدينة سطيف بالقرب من الساحل الشمالي الشرقي من الجزائر العاصمة، وقد كانت في القدم أحد المدن الامبراطورية الرومانية الهامة ولعل ما تبقى بها من آثار مازالت تحتفظ بهيكلها الأصلي إلى الآن وإدراجها على قائمة اليونيسكو في عام 1982 أبرز الدلائل على ذلك.

وتحت اسم  Cuicul، بنيت المدينة خلال القرن الأول الميلادي بوصفها حامية عسكرية تقع على هضبة مثلثة ضيقة ذات تضاريس وعرة بعض الشيء، كونها تقع في نقطة التقاء نهرين. وقد اتجه مؤسسيها إلى خطة موحدة في البناء بما في ذلك ساحات في المركز وشوارع الرئيسية، وبعد أن كانت مستعمرة عسكرية تحولت لتصبح سوق تجارية كبيرة، وكانت الموارد التي ساهمت في ازدهار هذه المدينة الزراعية قديما كالحبوب، أشجار الزيتون والمزارع.

بنيت Cuicu على ارتفاع 900 متر فوق مستوى سطح البحر في موقع استراتيجي هام على مفترق الطرق بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب على سلسلة من التلال الجبلية، وتحيط بها الوديان، فكانت المدينة التي يصعب الوصول إليها وبالتالي فكان من السهل الدفاع والمراقبة من القمم المحيطة بها.

وتتكون المدينة من ثلاثة أجزاء: المدينة القديمة أو الضواحي الشمالية، المدينة الجديدة أو المناطق الجنوبية ومنطقة تسمى ” المسيحية “جنوب شرق البلاد. وقد شهدت السنوات الأخيرة إنشاء المتحف، الذي يتم الوصول إليه من المناطق الجنوبية بواسطة درب تصطف حوله الأشجار والمروج، بالقرب من مدخل الحديقة الأثرية الواقعة في أدنى جزء من المدينة.

"جميلة" منطقة تاريخية مطبوعة بوسم الحضارة الرومانية

صنفت منظمة اليونسكو مدينة جميلة الأثرية كموقع ضمن مواقع التراث العالمي. وتعتبر جميلة أبلغ مدن نوميديا دلالة على الماضي بمدرجها "كويكول" العتيق، و "جميلة" مدينة واقعة في بلاد وعرة جرداء، كانت تغطيها في الماضي الغابات وسنابل القمح. وقد تأسّست في أواخر القرن الأول، وبلغت أوجها في عهد أسرة الأنطونان، وتصوّر الآثار مدينة أحياؤها حسنة التنسيق، وشوارعها محفوفة بالأرتجة، وتوجد فيها ساحتان عموميتان أولهما محاطة بالكابيتول وقاعة اجتماع المجلس البلدي والمحكمة ومعبد فينوس كما كانت مهيكلة في العهد الروماني الذي بنيت فيه المدينة، وحول الثانية المعبد المشيّد تكريمًا لأسرة سيفيروس وقوس نصر كراكلا والحمامات التي لم يؤثر فيها الزمان كثيرًا والسوق، والمنازل المترفهة الأنيقة.وقد كان أمام المدخل الرئيسي للحمامات الموجودة في جنوب جميلة، المتجهة من الشرق إلى الغرب رتاج له اثنى عشر رواقًا، وكانوا يدخلون من بهو يقضي إلى قاعة للرياضة على شكل قبو، ويمرّون من إحدى قاعتي الملابس إلى قاعة التبرّد وهي فسيحة الأرجاء ثرية الفسيفساء وصفائح المرمر، فيها حوضان صغيران وحوض كبير تفصله عن الحوضين الآخرين مجموعة من أعمدة المرمر الوردية اللون. و تأتي بعد ذلك الغرفة السخنة. وفي جانبها منفذان يقضيان إلى الغرفة المعتدلة الحرارة، وإلى حوض صغير ماؤه سخن. و أخيراً إلى المحم، وتفضي الغرفة المعتدلة الحرارة إلى قاعة التمسيد. كانت دكاكين كوزلنيوس في جميلة شبيهة بدكاكين تيمقاد، ولكنها أكثر خزفًا، كما كان لهذه السوق رتاج خارجي مرفوع على ستة أعمدة، وبركة وغرفة للموازين وتماثيل للمؤسس وأخيه والإله مركور. أما بخصوص الفوروم القديم بمدينة جميلة وهو الركح الأثري الذي كانت تقام به المسرحيات والخطب والمحاضرات العلمية والفكرية، والمباني العمومية المحيطة به يرجع أن لم تؤسس إلا لاحقا بعد بناء المدينة . وجزء منها يعود إلى القرن الثاني الميلادي. وفي أواخر القرن الثاني وبداية القرن الثالث ميلادي أصبح حصن المدينة الأصلية يضيق بمن وبما فيه، وكانت حركة التوسع العمراني هذه سبب بناء ساحة عمومية ثانية سميت أيضا فوروم الجنوب أو ساحة السيفيريينPlace des Severes. وعلى عكس المخطط الكلاسيكي، فإنّ هذه الساحة ذات الشكل غير المنتظم كانت أوسع من الفوروم القديم وأقل منه ازدحاماً. كما كانت مفتوحة لحركة المرور، وكانت تشرف عليها بنايتان عظيمتان هما قوس النصر الذي أقيم عام 216م على شرف الإمبراطور كرا كالا. والمعبد الكبير الذي يتقدّمه مدرج وكانت مدينة جميلةقد أقامت هذا المعبد الكبير عام 229 تخليدًا وتقديسًا لأسرة سيفيروس المالكة.  فمن فوق هذه الساحة العمومية الفسيحة يتبيّن للمرء في الحين، أنّ الأمر لم يعد يتعلق بفوروم مستطيل كلاسيكي مستو وممهد في إتقان، ومحاط بتماثيل ونصب، ينم انتظاما وتناسق زخارفها ونقوشها، عن وجود نظام وتخطيط مهيأين مسبقًا، بل على العكس من ذلك، فإنّ هذه الساحة تقع على انحدار يزداد تفاقمًا ابتداء من قوس نصر كاراكالا، وليست كل واجهاته مستقيمة حيث أن واجهتي الشمال والشرق فقط مستقيمتان. و على الواجهة الغربية كان ينتصب قوس نصر كاراكالا. الذي أعيد ترميمه اليوم، وكان يستخدم كمدخل للساحة، وبالقرب من هذا القوس، فتحت سوق أقمشة كانت متوسطة بالفوروم الجديد.

الكابيتول هو المركز الديني والسياسي في جيميلة يقع في الشمال الشرقي للفوروم، يكرس لعبادة جوبيتير، جونو، مينيرفا. شكله مربع يتكون من ستة أجزاء، إنهار موقع مكان التضحية لكن لايزال أمام الدرج إلى الحرم سليما مع أعمدة تصل إلى 14 متر في الفوروم.الكنيسة تقع في الجزء الغربي من الفوروم على مساحة تفوق 532 م2، وشيدت عام 169م في عهد الامبراطور فوريس. وكانت بمثابة مبنى محكمة ومنطقة تبادل السلع. ويعتبر مسرح جميلة المتجّه إلى الشمال من أبرز المسارح التي بناها الرومان في مدنهم التي شيدوها بالجزائر، وقد حفر في هضبة تستند إليها مقاعد المدرجات، وما زال هذا المسرح يحفظ إلى الآن احتفاظًا كاملا بالجدار المواجه للخشبة، والمزين بكوات مستديرة حيناً ومربّعة حينًا أخر، بقصد الحصول على صدى جيد للأصوات. ويمكن الدخول إليه من قوس ساويرس الذي يفتح على الساحة، ويمكن أن يستوعب أكثر من 3000 متفرج كانوا في الماضي يوضعون وفقا للرتبة الاجتماعية، مجلس الشيوخ والفرسان في الصف الأمامي، والناس في الأعلى.

وعندما تتجول أثناء رحلتك بهذه المدينة التي حتما ستكرر زيارتك إليها سيسترعى انتباهك مدى دقة وجمال التصميم العمراني الذي تمتاز به المنازل التي كان يسكنها العامة من الناس، وعلى الرغم من أن من يسكن فيها ليس الملوك أو الامراء إلا أن جمال بناءها الهندسي المتناسق قد يوحي لك بذلك.

البعض من تلك المنازل يوجد في المدينة القديمة، وقد أجريت حولها مؤخرًا دراسات معمقة. وقد أمكن بفضل النقوش، والفسيفساء، معرفة أسماء بعض مالكي هذه الديار، أمثال ـ كاستوريوس ـ التي بُنيت داره على أرض مساحتها 1600م2 وهو أحد الحاكمين مع ـ لوسيوس كولود يوس بروتو. وعلى غرار كل المنازل الغنية كان منزل ـ كاستوريوس ـ ينتظم حول باحة داخلية يحفّها رواق معمد تحيط به غرف مختلفة.

اقرأ أيضا..