قراءة وتشخيص لظاهرة التطرف لدى الشباب التونسي - الوسط الجزائرية

الدكتور حبيب حسن اللولب
الدكتور حبيب حسن اللولب ص: الأرشيف
06 أوث 2017 بقلم: د. حبيب حسن اللولب 518

رئيس مركز البحوث والدراسات من أجل اتحاد المغرب العربي

قراءة وتشخيص لظاهرة التطرف لدى الشباب التونسي

الحديث على الشباب التونسي لابد من تناول دوره الايجابي والحيوي خلال  فترة النضال الوطني والحركة الوطنية ومساهمته في الحراك وتحرير البلاد واسترجاع الاستقلال الوطني التونسي خلال فترة الاحتلال الفرنسي والتى امتدت من (1881-1956) أي على مدى خمس وسبعون سنة ، ابتداءبالمقاومة المسلحة والعسكرية وبعد فشلها غيرت خطتها واسترتيجيتها واتبعت  النضال السلمي، والمتمثل في المقاومة السياسية والثقافية والتعليمية ،وتأسيس الجمعيات والأحزاب  مثل (حركة الشباب التونسي سنة 1907) والجرائد ( التونسي وغيرها) مثل والمدارس ونشر الوعي والتطوع في جيش التحرير والمقاومة التونسية .                                                                                              

وقد لعبت كل من مؤسسة جامع الزيتونة وفروعها، العريقة والمتجذرة عبر التاريخ ،ومدارس ومؤسسات الخيرية للزوايا والطرق الصوفية ،دور كبير في نشر   التعليم والمعرفة والمحافظة على الهوية الحضارة العربية الإسلامية بتونس والجزائروليبيا، وتحصين الشباب التونسي والمغاربي بهويته الوطنية ومن المتطرف،وبإسترجاع الاستقلال التونسي في مارس 1956،اتخذت الدولة الوطنية القطرية التونسية   عدة إجراءات وقرارات-عجزت فرنسا اتخاذها خلال فترة احتلالها للبلاد  التونسية- ساهمت في التطرف والغلو ،فما هي وما أسبابها وما نتائجها .

أولا- الجمهورية الأولى:دولة الاستقلال والشباب التونسي  (1956- 2010)

الرئيس الحبيب بورقيبة (1956-1987) والشباب التونسي.

 ظاهرة التطرف والغلو والارهاب،دخيلة على المجتمع والشباب التونسي، وتعود جذورها  الى ادارة الاحتلال الفرنسي بتونس ودولة الاستقلال والمتمثلة في   مشروع الرئيس الحبيب بورقيبة الذي تولى السلطة من (1956-1987) التحديثي-العلماني-اللائيكي سنة 1956،و بعد انتصاره على الجناح العروبي-الزيتوني بزعامة الأستاذ صالح بن يوسف الامين الحزب الدستوري ماعرف  (بالامانة العامة ) بدعم الحكومة الفرنسية ،اتخذ عدة إجراءات وقرارات ضد  الهوية والتراث العربي الإسلامي،وهو مالم يعهده المجتمع التونسي المحافظ على اعتبار الأمر دخيلا،وقد عمل على محاربته ونضال من اجله خلال فترة الاحتلال الفرنسي،وتمثلت في غلق مؤسسة جامع الزيتونة وفروعها (التعليم الديني) ،وحل مؤسسات الزوايا والطرق الصوفية ،وإلغاء الأوقاف،ومحاربة التدين، واستيراد مشاريع وأنظمة سياسية من الغرب بشقيها (الرأسمالي والاشتراكي- الشيوعي) ،وإسقاطها على المجتمع التونسي دون تكييفها ومزاوجتها مع الهوية ،والاستبداد بالحكم بالرئاسة مدى الحياة ماعرف (بالجمهورية- الملكية) ،والإقصاء والتهميش بين الحهات ،وكل هذا أدى إلى التقوقع والفشل والتصحر السياسي والثقافي والديني ،وقاومت النخبة المتخرجة من الزيتونة والصادقية هذه السياسة، وحصنت الشباب من التطرف والغلو ، وأخرت ظاهرة التطرف الى حين ،ولكن أثار ونتائج هذه القرارات ،ستظهر بزوال وموت هذه  النخبة  الوطنية ، خلال فترة حكم الرئيس زين العابدين بن علي (1987-2010)  . 

الرئيس زين العابدين بن علي(1987-2010) والشباب التونسي.

 تولى زين العابدين بن علي الحكم اثر انقلاب الأبيض على الرئيس الحبيب بورقيبة، بعد عجزه عن تسيير دواليب الدولة بسب كبر سنه ومرضه من (1987-2010) ، وهو مواصلة لنظام السابق، وفي عهده إزداد الوضع أكثر سوءا، وأصبحت الساحة التونسية خالية من العلماء والمفكرين ورجال الدين،  وإتباع سياسة أكثر تطرف وغلو وإستبداد وإقصاء وتهميش ورفض الأخر، وتجفيف منابع الهوية العربية الإسلامية من البرامج التربوية والتعليمية ،منذ تولي الإستاذ محمد الشرفي الاشراف على وزرتي التربية والتعليم العالي والبحث العلمي، ونشر كذلك ثقافة ماعرف "بمهرجانات الفوكلورية والرياضة " واليانصيب "  " PROMO SPORT"، مما أدى إلى تخريج دفعات متطرفة من اليمين واليسار، وأصبحت عرضة لاستقطاب والتجنيد من قبل قوى متطرفة، مما أدى إلى تنامي مشاعر الكراهية والرفض، وبقيت مكبوتة في انتظار تفجيرها،بحكم ضعف مستواها التعليمي والديني والثقافي ،وأزداد الوضع سوءا ورداءة بانتشار الفكر المتطرف والغلو، بسبب التصحر السياسي والثقافي والتعليمي والديني، الذي عاشته البلاد التونسية ،وعرفت عدة ظواهر( مثل عبادة الشيطان والتشيع والتمسح والالحاد...) .

عرفت البلاد التونسية نتجة لهذه السياسة،حراك حزبي وجمعياتي لمقاومة الاستبداد وسياسة الرئيس زين العابدين بن علي، مما أدى إلى إندلاع انتفاضات في عدة مناطق تونسية (المناجم  والمتلوي وبنقردان والقصرين ...) ،وأنتهت بثورة الكرامة في جانفي 2011، وبهروب الرئيس زين العابدين بن علي وسقوط  نظامه ،وما يمكن إستنتاجه فشل الدولة الوطنية القطرية التونسية والجمهورية الأولى من (1956-2010) ،في تأطير الشباب والاستثمار في المستقبل ونتهت هذه المرحلة بتأسيس الجمهورية الثانية .

ثانيا- الجمهورية الثاتية:الثورة التونسية والشباب التونسي.(2011- الى اليوم)

عرفت البلاد التونسية الانسداد الديمقراطي والتصحر السياسي والثقافي والديني ،لأكثر من نصف قرن ،وقد اندلعت عدة انتفاضات وانتهت بالثورة الكرامة  التونسية في جانفى2011، والتي جاءت كرد فعل على تراكمات تاريخية من الاستبداد والفساد والمحسوبية والإقصاء والتهميش، والمطالبة بالتنمية والديمقراطية والشغل والحوكمة الرشيدة ،بتأسيس الجمهورية الثانية ،وبتعاقب عدة حكومات (محمد الغنوشي والباجي والجبالي والعريض وجمعة والصيد والشاهد) ،    ولإجهاض على المشروع الديمقراطي، اخترقت وحرفت الثورات والانتفاضات العربية من (2011-2012) ،عن مسارها وأهدافها النبيلة وتمت عسكرتها،  من  قوى داخلية وخارجية،وتحويلها إلى دول فاشله والى فتن وحروب أهلية، ووجدت المخابرات العربية وخاصة الغربية والامريكية ضالتها،و التي اعتبرت الديمقراطية خطر أحمر، لايسمح بها ولايمكن تطبيقها على شعوب العربية والاسلامية، وهي تعتبرها منطقة انقلابات عسكرية (تأييد والمشاركة في انقلاب في مصر وتركيا) و مخبر لتجريب الأسلحة والمنظومات التعليمية وسوق  استهلاكية لبيع منتوجاتها،وساندتها شبكات التواصل الاجتماعي والجمعيات المشبوهة في البلاد التونسية -العربية ،وفي ظل فشل الدولة التونسية عن الاستجابة للمطالب الاجتماعية ،اتسع نطاقها وارتفعت مطالبها ،ووجدت ضلتها وتربة الخصبة لتطبيق أجندتها ،بالتغرير بالشباب التونسي الذي كان  ضحية منظومة سياسية وتعليمية واستبدادية، وتجنيده وإرساله وتسفيره إلى ساحات القتال في سوريا والعراق وليبيا ،للجهاد في الظاهر ولكن في الباطن  لتطبيق مشاريع لانقة له ولاجمل،مثل مشروع الفوضة الخلاقة والشرق الأوسط الجديد لوزيرة الخارجية الامريكية السابقة الدكتورة كونديزة رايس، وبعد تمرد   تنظيم "القاعدة"، تأسست منظمة ارهابية جديدة "داعش" تحت اشراف  مخابراتي ومنحها اسم "الدولة الاسلامية" لتشويه الاسلام والمسلمين وربطه بالارهاب والاجرام والسبي والنساء، ولوضع حد لانتشار الاسلام في اوروبا  والعالم ،وقد وصل أعداد التونسين المغرر بهم  والمتطرفين  في المناطق الساخنة والحروب إلى أكثر من 6000 شاب وشابة .

  شهدت البلاد التونسية ميلاد نشاط مكثف للحركات السلفية الجهادية ، ومن بينها تنظيم المتطرف "أنصار الشريعة"،الذي تغلغل في الأحياء الفقيرة المحيطة بالعاصمة وفي المناطق الداخلية المُهمّشة، وأفلحت ونجحت في استقطاب عدد الشباب المعطل ،الذي يشكو هشاشة نفسية واجتماعية، وقد توظيفه في أحداث العنف ولمعالجة والتصدي لهذه الظاهرة ،واتخذت الحكومة التونسية  منذ سنة 2012 عدة قرارات وإجراءات، للحد من تسفير الشباب التونسي  إلى ساحات القتال ،من منع الشباب التي تقل اعمارهم عن 35 سنة  والفاتيات الاترخيص من الأب او الولي من السفر إلى الخارج. وللمصالحة مع الشباب التونسي وفتح صفحة جديدة ، منح  الدستور الجديد الذي صادقت عليه الجمعية الوطنية التأسيسية يوم 26 جانفي  2014بأغلبية ثلثي ،عدة امتيازات ومكتسبات والحقوق باعتبارهم مستقبل البلاد .

 وفي الاطار صرح وكشف وزير الداخلية التونسي الهادي المجدوب ، لصحيفة الشرق الاوسط اللندية، بان السلطات الأمنية منعت منذ 2012 أكثر من 27 ألفا من الشبان التونسيين المشتبه بهم من السفر إلى مناطق النزاعات المسلحة في الخارج. واعتبر أن منع المشتبه بهم من السفر من أهم الحلول التي اعتمدتها الداخلية التونسية ،للحد من سفر الشباب إلى بؤر التوتر والتحاقهم بالتنظيمات الإرهابية، وقد تمكنت أجهزة الأمن التونسي في سنة 2016 من تفكيك 245 خلية تسفير للشباب إلى بؤر التوتر خارج تونس، بينما كان العدد في حدود مائة خلية في سنة 2013، كما أوقف الأمن 517 عنصرا متورطا في هذه الخلايا.

 و في هذا الاطار أصبح الإرهاب شماعة لتخويف الدول والشعوب ولتصفية الحسابات ،بين بارونات الفساد والمافيا والمخابرات الاجنبية في تونس ،التى اتهمت باغتيال كل من شكري بلعيد ومحمد الابراهمي ،لإجهاض على الثورة والمسار الديمقراطي، (في هذا الاطار انظر تصريح الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند بان المخابرات الفرنسيىة قامت بعدة عمليات للحفاظ على المصالح الفرنسية) ،وعملتي باردو وسوسة والكثير من العمليات الارهابية التى حدثت بتونس ،فيها كثير من قراءات وتأويلات(تحالف تيار الثورة المضادة والارهاب) ،وجاءت لود المسار الديمقراطي وتدمير الاقتصاد التونسي وخاصة القطاع السياحي، وبث الدعايات لتشويه سمعة الشباب التونسي واتهامه بالارهاب والاجرام، وكذلك الفتاة التونسية  التى اتهمت في شرفها  بالجهاد النكاج (اسم لاوجود له في الكتابات الاسلامية )، ولكن لضرب وتشويه مفهوم السامي ديني للجهاد وافراغه من معناه النبيل،وقد استدركت الحكومة التونسية  مشكلة الشباب وخاصة المتطرف  ولادماج هذه الفيئة، اقترحت على المجلس الشعب التونسي قانون التوبة، لمعالجة قضية الارهاب وعودة التونسين من المناطق الساخنة، والذي مازال يراوح مكانه ،في ظل رفضه من قبل  جمعيات ونقابات، وفي الاطار لابد من الاستفادة من التجربة الجزائرية والمغربية في المصالحة  .

و في الختام نلاحظ بان هنالك أسباب داخلية وخارجية ،ساهمت في استفحال الظاهرة التطرف والارهاب والغلو ،ونقترح لتفكيك هذه الظاهرة الدخيله على المجتمع التونسي ،وبمراجعة شاملة وإعداد استراتيجية وقراءة إستشرافية وخريطة  طريق وتقديم الحلول ،من خلال إحياء القيم المجتمعية التونسية الأصيلة، التي تنبذ العنف وتحيي التسامح ،وإصلاح المنظومة التربوية من خلال جودة المناهج والبرامج التعليمية،ومصالحتها مع الهوية والمزاوجة بين الحداثة الأوروبية والتراث  العربي الإسلامي، وتجذير الفكر الديمقراطي وتداول السلمي على السلطة،  و احترام حقوق الإنسان والحوكمة الرشيدة ،والعدالة بين الجهات ومكافحة  الفساد والمحسوبية ،وتشجيع الشباب على دخول إلى العمل الجمعياتي والحزبي والنقابي،والحوار معهم ولنا في التجربة المصالحة الجزائرية والمغربية خير حافز ومعين ،وخلق مواطن شغل والاستثمار في الشباب والمستقبل .

اقرأ أيضا..