طباعة
"أبو أمير".. مثال الإشراق والأناقة
ص: أرشيف
13 حزيران 2017 لمباركية نوّار ـ باتنة 1006

رثائية

"أبو أمير".. مثال الإشراق والأناقة

لم تكن ساعات صباح يوم الخميس الثامن عشر من شهر ماي الماضي (2017م)، عادية في الحي الذي أسكنه، فقد اسيقظت من النوم على صوت نحيب متقطع زرع في أذني حيرة وارتباكا، ولما أشرت على ابني أن يستقصي الأمر من خلال نافذة بيته التي تفتح في الشارع العريض، أجابني أن هناك حركة غير معهودة في مسكن جارنا عبد الوهاب مراد، لم أتباطأ في النزول، وعلى قارعة عتبة البيت، قابلت ابنه رشيد داسا رأسه بين يديه، والدموع تنزل من عينه غزيرة، وعلمت منه أن والده قد قضى نحبه في فراش نومه.

وقفت مبهوتا أمام هذا الخبر؛ لأن المرض الذي عانى منه الأخ عبد الوهاب في الشهور الأخيرة من عمره، ورغم المتاعب المضنية التي سببها له، وجعلته يتخبط في اضطراب انعكس على تصرفاته وتواصله مع غيره، لم يصل به إلى خط الكلال والإعياء، ولم يكن يهدد حياته حتى يخطفه الموت بهذه السرعة الفائقة. ولكن مشيئة الله، سبحانه وتعالى، في تقرير الآجال التي ترفض التقديم والتأخير، ولا تعترف بالتأجيل قضت بما خطت بعد أن اقتربت حياته من سبع وستين سنة تقريبا.

يحتاج من يرى أن القبيلة التي ينتمي إليها لقب "مراد" تشتبك في أصولها مع عرش "لخضر حلفاوية" الذي فكك وشتت بعد سريان قانون سنة 1863م المسن من طرف الإدارة الفرنسية، يحتاج إلى بحث طويل وفحص دقيق لرصد إثباتات هذا النسب؛ لأن التركيز على اللقب وحده لا يمكن أن يكون قرينة تغنى عن مزيد من النبش المستفيض والتحري المسهب في تحديد الأصل خاصة لما يكون النسيج المجتمعي معرضا للهجرة أو التهجير بين الحين والحين بسبب ظروف الأيام المتقلبة.

البدايات

ولد الأخ عبد الوهاب مراد في السادس عشر من شهر جوان 1950م. وحلّ في الرتبة ما قبل الأخيرة بين إخوته الثلاثة محمد الصالح وعبد العزيز وعبد السلام وشقيقته الوحيدة. وقد قدم إلى الحياة من صلب والد كريم وملتزم هو الشيخ الشهيد عبد الرزاق مراد (1904 ـ 1958م). وأما والدته، فهي السيدة أم الخير بنت الصالح رحّال غربي (1917 ـ 1976م). وهي من فاضلات عائلة نزلت في نفس الموطن الذي استوطنته عائلة "مراد" في سفح جبل بوعريف القريب من قرية "عيون العصافير"، وقاسمتهم الثرى والماء والكلأ. ومن أبرز وجوه هذه العائلة الذين انتقلوا للسكن في مدينة باتنة الشيخ علي الذي تولى الإمامة في مسجد الشيخ العربي التبسي الواقع في حي "الإخوة لمباركية" في شهور افتتاحه الأولى أمام المصلين، وأخوه الحاج الطيب الذي مارس العمل التجاري في الأدوات الحديدية في محل واقع في شارع الشهيد "بلقاسم بن فليس" بقلب مدينة باتنة. وإن عرف الأول بالورع واللين والتهذيب، فإن أخاه الحاج الطيب الذي يعد واحدا من وجهاء المدينة كان رجلا شديد المراس وصاحب شخصية صلبة ومهابة تصعب منازلتها. وكان إذا تحدث في مجلس معقود قلما يتشجع أحدهم على التعقيب على كلامه أو مخالفته الرأي أو محاولة تعديل ما نطق به. وكانت تطغى على نبرات صوته بحة لا تفارقها، وتجعله يخرج من بين شفتيه مضخما.

حفظ القرآن الكريم

أكمل الشيخ الشهيد عبد الرزاق بن الصالح مراد والد الأخ عبد الوهاب حفظ القرآن الكريم حفظا تاما في زاوية الشيخ سيدي محمد بن عبد الله عبد الصمد القريبة من مرابعهم. وهي زاوية فرت من العمران وصخب المدن، وتغلغلت في فراغ جبلي حتى وجدت أرضا منبسطة جثمت فيها. ومن هنالك، انتقل إلى زاوية الشيخ علي بن عمر التي مكث فيها لفترة وجيزة قطف فيها قبضات من المبادئ الدنيا في علوم اللغة العربية، وتزوّد من شيوخها بمعارف قليلة في العلوم الدينية استكملها بمطالعاته الانفرادية بعد انخراطه في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وتعلقه بجرائدتها التي كان يقتني أعدادها تباعا. وبعد رحلته العلمية القصيرة، انضم إلى هيئة التدريس في زاويته الأولى، وأمضى فيها سنوات طويلة يعلم الصبيان القرآن الكريم في مسجدها. ولم يغادرها إلا في حدود سنة 1945م من بعد أن نشب خلاف بينه وبين شيخ آخر من زملائه إتسع فتقه وتورّم، ولم يعد الصلح معه مجديا. وواصل رسالته بعد أن أسس كتابا في بيت متواضع قريبا من ديار أهله. وكانت شخصية والده مطبوعة على الجد والصرامة والانضباط وبذل أكبر الجهد في تحفيظ آيات الذكر الحكيم. ولم يكن يتسامح مع الكسالى والمتثاقلين والمتأخرين من المتعلمين. وطغت قساوته على عفوه حتى ضاق، ولم يعد يتسع لمسامحة المقصرين عن الاستظهار في الوقت المحدد إلا نادرا. كما عرف بصدحه بكلمة الحق مهما كان الموقف عصيبا، وكرهه للملاينة والتلطف، وبغضه للمداورة والتزلف.

في حلقات القرآن

في مرحلة صباه، ورغم أن طريق الاستفادة من التعليم كما أرادها الاستعمار الفرنسي لم تكن طريقا "ملكية"، كما يقولون، ومعبدة وسالكة وميسرة أمام أبناء الجزائريين المحرومين، إلا أن الأخ عبد الوهاب مراد وجد مكانا ملأه في الحلقة التي كان يشرف عليها والده لتحفيظ القرآن الكريم في الصباح والمساء. وبعد استشهاد والده، بارح الريف الذي نشأ فيه إلى مدينة باتنة، وواصل تردده على الكتاب القرآني الذي كان يديره الشيخ الإمام علي قودة بوصية من رجال الثورة. ولم تكد تلوح شموس الاستقلال حتى أنهى حفظ خمس وثلاثين حزبا من كتاب الله.

لما انتزعت الجزائر استقلالها الثمين من بين أيدي محتلها الغاصب، وجد الأخ عبد الوهاب مراد ركب التعليم النظامي قد فاته بسبب تقدمه في العمر قليلا. فانتسب إلى مدرسة شعبية كانت تجمع تلاميذها في المسجد العتيق بحي الأمير عبد القادر. ومن بين معلميه في تلك الفترة المربي العربي مومن، شفاه الله.

أراد الأخ عبد الوهاب أن يكون سندا معينا لأخيه البكر محمد صالح الذي حمل مسؤولية الأسرة بعد استشهاد والده، فانخرط في العمل التجاري باكرا. وتدرج فيه بفضل استعداداته المهيأة متنقلا من نقل وبيع الخضر والفواكه إلى الاتجار في الآلات الكهرومنزلية.

وختم رحلته في هذا الميدان بإنشاء شركة ذات مسؤولية محدود للمواد والوسائل الطبية المخصصة للحيوانات. وقد سمحت له العمل التجاري الذي فرض عليه كثرة التنقل والأسفار بين مدن وقرى الغرب والجنوب الجزائري بإنشاء شبكة صداقات راحت تتعاظم وتمتد مع مرور الأيام.

 

مشفقا على الوالدة بارا بها

كان الأخ عبد الوهاب مشفقا على والدته، وبارا بها، ومستحضرا على الدوام مكابدتها وصبرها في سبيل رعاية أبنائها وتربيتهم. وظل وفيا لعهدها، وملبيا لطلباتها، وخادما لها في سنواتها الأخيرة لما اعتلت صحتها، وقد تأخر في زواجه قليلا عن أترابه معتبرا ذلك تضحية من جانبه في سبيل كسب رضاها.

تقع قامة الأخ عبد الوهاب مراد بين القصر والطول مع كتفين عريضتين وامتلاء في الجسم. وكانت تسكن وجهه العريض والناصع البياض حمرة خفيفة مع عينين زرقاوين. وقد منحته هذه الصفات الجسمية المتميزة إشراقة بهية ونادرة.

وأما هندامه، فكان شديد الحرص في الاهتمام به، فلا يرى مرتديا سوى بدلة يلتزم فيها بالأعراف الديبلوماسية من حيث اختيار اللون وغلق الأقفال ووضع ربطة العنق. كما كان يواظب على مشط شعره الكثيف الذي اختلط سواده ببياضه وإرجاعه إلى الخلف مخلفا مساحتين عاريتين على طرفي جبهته. وجملة واختصار، فقد كان، رحمه الله، مثالا في أناقة المظهر وجمال الملبس الذي يختاره بعناية وذوق.

استطاع الأخ عبد الوهاب مراد أن يحطم كل السدود والفواصل في تعامله مع أبنائه من غير أن يخل بمعايير الأدب والأخلاق. وكم من مرة أبصرت أحد أبنائه يضع يده على كتفه في حنو رقيق، ويحدثه حديث الصديق للصديق، ولا يفترقان إلا وهما غارقين في ضحك طويل.

الجارالمثالي

على مدار عقدين من الجوار تقريبا، لم أر الأخ عبد الوهاب مراد يخطئ في حق أي واحد من جيرانه بالسوء أو الخشونة في المعاملة. وكان لطيفا معهم وعطوفا عليهم، ومؤدبا مع الكبير والصغير، ومتطوعا لمساعدتهم وقضاء حاجاتهم وتقديم يد المساعدة إليهم بنفس طيبة. وكان إذا نودي عليه في أي موقف لا يتخلف عن الحضور وتقديم الخدمة التي تطلب منه. وكان يلبي حضور أفراحهم، ولكنه يعتذر عن الأكل؛ لأن من عاداته المتأصلة فيه ألا يلتهم طعاما خارج بيته.

لم نكن نحن جيرانه نخشى على مساكننا لما نغيب عنها ولو لأيام، لأن جارنا عبد الوهاب مراد لن يفرط في حراستها نهارا وليلا. ولا يكاد أحد يقف أمام مسكن غاب عنه أهله حتى يقترب منه، ويسأله في رفق عن ضالته. وكنت شخصيا أئتمنه على مسكني كلما سافرت بسبب ظروف العمل. وكنت كلما أعلمته عن غيابي، إلا وأجابني: "أذهب مطمئنا".

يحمل الأخ عبد الوهاب مراد في عقله وقلبه أكبر معاني المواطنة الصادقة التي يربطها بحسن التصرف. وكان في كل صباح ينظف جزء الشارع الذي يفصل بيننا، ثم يرشه بالماء حتى لا يثور غباره. ولم يكن يبخل على سقي نخلات ثلاث غرستها لتزيين الفضاء أمام سكناي.

في أحلك المراحل التي تخطاها وطننا من بعد استرجاع الاستقلال الوطني في تسعينيات القرن الماضي، لم يغير الأخ عبد الوهاب مراد موقعه، وبقي مخلصا لخط قناعات عائلته التي أخلصت للثورة قولا وفعلا. وفتح باب أحد مرائب مسكنه لمناضلي حزبه جبهة التحرير الوطني، وحوّله إلى ناد يجتمعون فيه. وقد زاره وخطب فيه عدد من قادة الحزب العتيد.

رحلة مع التعب

منذ سنوات قليلة، بدأت الحالة النفسية للأخ عبد الوهاب تسوء. ومع ذلك، استطاع أن يحافظ على حضوره وسط مجتمعه الضيق، ولم ينطو على نفسه أو يهرب إلى العزلة والابتعاد عن مقابلة الناس. وزادت حساسيته إزاء بعض المشكلات الاجتماعية التي يقرؤها في الجرائد أو تلتقطها أذناه مما يسمع من أحاديث منقولة. وكان كلما قابلني إلا وشكاني بقلب منفطر ودمع منهمر، وأظهر أمامي ألمه وامتعاضه من تصرف بعض الأبناء العاقين الذي لا يتورعون من رمي والديهم للعيش في دور العجزة، وقطع صلة الرحم بهم ولو بالسؤال عنهم. ولاحظت ان هذا الموضوع ظل يشغل باله بعد أن صعبت عليه استساغته، وترك وخزات في كبده، ورأى فيه إثما غليظا لا يغتفر.

تحالف الأمراض

حاقت أصعب الأمراض بحياة الأخ عبد الوهاب مراد في الشهور الأخيرة قبل رحيله، وطوقتها، وظهرت عليه أعراض داء "فقدان الذاكرة" الذي سبب له كثرة النسيان والتيهان. ولم يعد يبارح سكناه إلا برفقة أحد أبنائه. وإما إذا كان وحيدا، فيظل تحت بصر ومتابعة من حضر من جيرانه ولو من بعيد. 

شاءت رأفة الله العلي القدير أن تلطف بعبده الأخ عبد الوهاب مراد، وكتب له أن يغادر دنيانا في وقت ازدادت فيه حالته سوءً وتعقيدا. ولعل ذلك ما جعل ثقل المصيبة ينزل على نجله "أمير" بردا وسلاما، وهو الذي التحم بوالده كالظل في محنته المرضية، وخدمه مع بقية إخوته ووالدتهم خدمة مرضية يؤجرون عليها، ولم يستثقلوه في أي لحظة. وبقلب صابر محتسب، قال لي الصغير "أمير": (أحمد الله الذي وفقني في إتمام أداء واجب حق الأبوة نحو والدي في أصعب الظروف التي مر بها وبخواطر طيبة لم ينل منها الانزعاج ولو مرة واحدة).

لما كنت أسير وسط المشيعين خلف السيارة التي تحمل نعش أبي أمير، لمحت عيني، حين أصبحنا على خطوات من المقبرة، لمحت ابنه "زكي" يضع يده في يد أخيه "أمير"، ويشابك بين أصبعيهما، وكأنه يمرر له رسالة تطمين فيها عزم لمواجهة المستقبل بعد أن اختفى سندهم في اتحاد وتكاثف.

اختصرت رحلة الأخ عبد الوهاب مراد الأخيرة في أن تكون سفر ذهاب من دون أوبة؛ لأنها كانت رحلة روحه في معارج السماء بعد أن استردها بارئها. ووري جثمانه الثرى في مقبرة بوزوران في جو من الخشوع من بعد صلاة يوم الجمعة التاسع عشر ماي الفارط. وسارت في موكب توديعه إلى مقر مثواه جموع غفيرة من أبناء حينا ومن أصدقائه. واستمر المعزون يتقاطرون على مسكنه رجالا ونساء على مدار عدة أيام.

         رحم الله الجار الودود عبد الوهاب مراد، وغفر له ذنبه، وجعل مثواه الجنة.