الأستاذ بوعلام بطاطاش
الأستاذ بوعلام بطاطاش
01 نيسان 2019 231

النظام الرئاسي بين الملكية والديكتاتورية

بوعلام بطاطاش

بقلم د.بوعلام بطاطاش

النظام الرئاسي هو نظام سياسي تختلف فيه آليات التطبيق تبعا لتوزع السلطات بين كل من التشريعي والتنفيذي والقضائي، فالأنظمة الرئاسية متواجدة في الكثير من دول العالم، لكنها تختلف في آليات تطبيقها تبعا للقوانين المنظمة لعملها، فالنظام الرئاسي الفرنسي مثلا يختلف تماما عن النظام الرئاسي الأمريكي، كما يختلفان عن الأنظمة الرئاسية المتواجدة في باقي بلدان العالم.

عندما نقارن مثلا بين النظام الرئاسي الفرنسي ونظام الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارهما من الأنظمة (الديمقراطية)، فإننا سنلاحظ كيف أسّس كل نظام لنفسه التوازن المنشود بين السلطات على الرغم من اختلاف آلياتهما، لأن الأنظمة الرئاسية التي تنشد الديمقراطية تحاول خلق توازن في القوى بين كل من التشريعي والتنفيذي والقضائي، الأمر الذي يسمح للسلطة بأن توقف السلطة.

في فرنسا، يتم انتخاب الرئيس والجمعية الوطنية باقتراع مباشر ومجلس النواب باقتراع عام غير مباشر، وتتوزع السلطات على النحو التالي:

السلطة التشريعية هي في يد الجمعية الوطنية، ويراقب عملها مجلس الشيوخ، بينما السلطة التنفيذية يجسّدها كل من رئيس الجمهورية وأعضاء حكومته، أما السلطة القضائية فتتمتع بالاستقلالية عنهما. وغالبا ما تكون الحكومة مشكلّة من الأغلبية التي تفرزها انتخابات الجمعية العمومية، ولرئيس الحكومة الكلمة الأخيرة إذا حدث اختلاف بينه وبين الغرفتين حول نص مشروع، في حين يملك رئيس الجمهورية سلطة حلّ الجمعية الوطنية، وهذا ما يعاب على هذا النظام.

بينما نجد الأمر مغاير تماما في الولايات المتحدة الأمريكية، فالرئيس ينتخب عبر نظام معقّد لا يعتمد على عدد أصوات الناخبين بل يعتمد على الانتخاب الذي يقوم به كبار الناخبين، والسلطة التنفيذية يتقاسمها مع الوزراء الذين يعيّنهم، وهم في حقيقة الأمر يعتبرون مساعدين له بحكم النظام الفدرالي السائد، أما السلطة التشريعية، فيتقاسمها كل من مجلس النواب (الكونغرس) ومجلس الشيوخ، ويتمثل عملهما في التشريع ومراقبة عمل السلطة التنفيذية، ولا يملك الرئيس حق حلّ المجلسين، بينما يملك حقّ الفيتو على القوانين التي يصدرها، وهذا ما يعاب على هذا النظام، لكن، بالمقابل، ولتحقيق التوازن بين السلطات، فإن لمجلس الشيوخ حق إبداء الرأي حول تعيين الوزراء من قبل الرئيس، كما يمكن مساءلته أو مساءلة أحد وزرائه من قبل مجلس النواب، ويمكن أن يصل الأمر إلى حدّ محاكمتهم من قبل مجلس الشيوخ.

إن ما يجمع النظامين هو وجود المسؤولية السياسية أمام البرلمان، فكلما كان هناك توازن بين السلطات كلما كان النظام ديمقراطيا، لكن في حال ما إذا انهار ذلك التوازن بينها، كهيمنة الرئيس وتقليصه لسلطات البرلمان، تحوّل النظام إلى الديكتاتورية، فالكثير من الأنظمة الرئاسية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، تعتبر ظاهريا رئاسية، لكنها في الأصل هي أنظمة دكتاتورية أقرب إلى الملكية، وصل فيها الرؤساء إلى سدّة الحكم عبر الانقلابات أو الثورات، ومنحوا لأنفسهم أغلب الصلاحيات. وإذا ما عدنا قليلا إلى الوراء نجد أن رمز الديكتاتورية في العالم والمتمثّل في شخص أدولف هيتلر قد اعتلى السلطة بتبنيه المسار  الديمقراطي، ففي البداية تمكّن من بسط نفوذه على حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني، فارضا سلطته على الحزب، ومستحدثا منصب القائد الأساسي للحزب، حتى يجعل منه المسؤول الأساسي عن تنظيم شؤون الحزب، فلا يتم انتخاب القادة من قبل الجماعات التي يقومون بقيادتها، بل يقوم رؤساؤهم من ذوي المراكز العليا بتعيينهم، ولهم الحق في مساءلتهم، بينما يتمتع هؤلاء القادة بالطاعة المطلقة ممن هم أقل منهم مركزًا. وتماشيًا مع ازدراء هتلر لفكرة الديمقراطية فقد جعل كل السلطة والنفوذ تنتقل من الأعلى إلى الأسفل. وتعلّم من الانقلاب الفاشل على الحكومة سنة 1923 على أن أحسن وسيلة للوصول إلى السلطة السياسية هي اعتماد القنوات الشرعية، وهذا ما تحقّق له سنة 1932، بعد فوز حزبه بأغلبية المقاعد، وتعيينه مستشارا لألمانيا، وكان العامل الرئيسي في ازدياد شعبية هتلر بين الناس هو تبنيه لشعار استعادة العزة والكرامة التي عرضتها للمهانة معاهدة فيرساي عندما فرضها الحلفاء الغربيون على الإمبراطورية الألمانية المهزومة، فوصوله إلى السلطة كان عبر الأطر الديمقراطية، لكن الشعبية التي كان يتحلى بها أثناء إلقاء خطبه سمحت له بأن يتعدى على القانون وعلى الدستور حيث استغلّ حريق مجلس النواب سنة 1933 لتحقيق غايات سياسية ، عبر تعليقه للحريات الفردية إلى أجل غير مسمى وقمع معارضيه، وازدادت هيمنته وجبروته إلى غاية مقتله.

إن النظام الذي لا يخضع إلى توازن القوى بين السلطات يأخذ دوما منحى تسلطيا عبر الدوس على القوانين والتغيير الدوري للدساتير على نحو ما نشهده مثلا في فنزويلا، أين عرفت 25 دستورا منذ نشأتها، بينما لم يتمّ تعديل دستور الولايات المتحدة الأميركية منذ 1788، مما يوحي بأنّ الدساتير توضع على مقاس الحكام، ولا ينظر إليها على أنها  القانون الأعلى الذي يحدّد القواعد الأساسية لشكل الدولة، وبه بتمّ ينظم السلطات العامة من حيث التكوين والاختصاص، ويبين العلاقات بين السلطات، وحدود كل سلطة والواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات.

أما النظام القائم في الجزائر فهو في ظاهره نظام رئاسي، يحاول من حيث الشكل الفصل بين السلطات، فالسلطة التنفيذية يقوم بها رئيس الجمهورية مع الحكومة التي يترأسها الوزير الأول، بينما السلطة التشريعية يتقاسمها كل من المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة. لكن المادة 147 من الدستور تسمح لرئيس الجمهورية بحلّ المجلس الشعبي الوطني. وإذا عارض هذا الأخير برنامج الحكومة مرتين فإنه يحلّ آليا تبعا للمادة 96 من الدستور. أي أن السلطة التشريعية يمكن لها أن تحلّ من قبل السلطة التنفيذية الممثلة في شخص رئيس الجمهورية أو لمعارضتها برنامج السلطة التنفيذية الأخرى المتمثلة في الحكومة.

أما إذا بحثنا عن المسؤولية السياسية المباشرة لرئيس الجمهورية والجهة أو الجهات التي تتولى محاسبته فإننا لن نجد لها أثرا في دستور 2016، بينما في دستور 1963، المواد 47/55/56 يقرّ بالمسؤولية السياسية لرئيس الجمهورية أمام المجلس الوطني الذي تترتب عليها الاستقالة، ولا يقتصر الأمر عند هذه الحالة، بل إن مختلف المعاهدات الدولية التي يقترحها الرئيس تنال موافقة شكلية فقط من قبل البرلمان، إذ لا يملك حقّ تعديلها، بل قبولها أو رفضها، ولا يوجد أي نص يتحدّث عن الجزاء في حال عدم عرضها أمام البرلمان، والأمر نفسه بالنسبة للمجلس الدستوري، إذ لا يملك حقّ الرقابة لا على الأوامر ولا على المعاهدات والقوانين والتنظيمات الصادرة عن الرئيس، بل يقتصر دوره على إبداء الرأي لا أكثر.

ويمكن أن نذهب إلى أبعد من ذلك عندما نبحث عن المسؤولية الجنائية لرئيس الجمهورية، فالمادة 177 تتحدث عن تأسيس محكمة عليا للدولة تختص بمحاكمة رئيس الجمهورية عن الأفعال التي يمكن وصفها بالخيانة العظمى، والوزير الأول عن الجنايات والجنح التي يرتكبانها بسبب تأديتهما مهامهما، حيث يقول نص المادة: (يحدّد قانون عضوي تشكيلة المحكمة العليا للدولة، وتنظيمها وسيرها وكذلك الإجراءات المطبقة). لكن هذه الهيئة بقيت مجرد حبر على ورق، إذ لم يصدر أيّ قانون عضوي يحدّد تشكيلتها على عكس المجالس الدستورية الأخرى.

أما إذا ما عدنا إلى صلاحيات رئيس الجمهورية وفق ورودها في الدستور الجزائري، فإننا نجده يتمتع بمنصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو رئيس مجلس الوزراء، ورئيس المحكمة العليا، وهو المسؤول عن تعيين كل من: الوزير الأول ووزرائه، رئيس مجلس الدولة، رئيس المجلس الدستوري ونائبيه،  ورئيس الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات ونائبه وجميع أعضائها من قضاة وكفاءات مستقلة، كما يعيّن أيضا الأمين العام للحكومة، ومحافظ بنك الجزائر، والقضاة، ومسؤولو أجهزة الأمن، والولاة، ومختلف المسؤولين في الوظائف المدنية والعسكرية في الدولة، والتعيينات التي تتم في مجلس الوزراء.

ووفق هذا المنظور فإنّ رئيس الجمهورية قد جمع بين يديه كل الصلاحيات وفق ما تنص عليه مواد الدستور، وربما كثرة المهام الملقاة على عاتقه هي التي جعلته في ظرف شهر من الزمن يرتكب بعض الأخطاء القانونية، سواء في التعيين أو الإقالات نعدّد بعضا منها:

  • تنصيب الطيب بلعيز رئيسا للمجلس الدستوري يوم 10 فيفري2019، فالمادة 183 من الدستور تنص صراحة على أنه لا يحقّ للشخص أن يعّين في هذا المنصب إلا لفترة واحدة، بينما نجده قد عيّن من قبل في مارس 2012 في المنصب نفسه.
  • تعيين نائب الوزير الأول يوم 11 مارس، في حين أن دستور 2016 لا يتضمن هذا المنصب، بل دستور 2008  في مادته 77 هو الذي يتضمنه.
  • إقالة الهيئة العليا المستقلة  لمراقبة الانتخابات يوم 11 مارس 2019، فهذه الهيئة يملك رئيس الجمهورية صلاحية تنصيبها وفق المادة 194 من الدستور، لكن لا يمدّه النص صلاحية حلّها مثلما هو معلن عنه مثلا بالنسبة لرئيس الوزراء، بل تحلّ تلقائيا بعد نهاية عهدتها وفقا للمادة 130 من قانونها العضوي.
  • تنصيب مدير التلفزيون يوم 26 مارس، في حين أن القانون يمنع على الشخص المنصّب تولي تلك المسؤولية بحكم كونه عضوا في سلطة ضبط السمعي البصري، فالمادة 65 من الجريدة الرسمية العدد16، الصادرة في مارس 2014 تنص على ما يلي: (يمنع على كل عضو في سلطة ضبط السمعي البصري ممارسة نشاط له علاقة بأي نشاط سمعي بصري خلال السنتين المواليتين لنهاية عهدته).

ووفقا لما سبق ذكره، فإنه من الضروري إعادة صياغة القوانين المنظمة لمختلف المجالس الدستورية بحيث يتحقّق التوازن بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وتوزيع المسؤوليات بينها حتى لا نقع في مثل هذه الأخطاء مستقبلا.

د.بوعلام بطاطاش

أستاذ جامعي / بجاية

اقرأ أيضا..