طباعة
مدينة تيارت
مدينة تيارت
20 شباط 2019 560

جوانب مضيئة من تاريخ مدينة تيارت

مساهمة بقلم الأستاذ/ الحسين يختـــــار مهتم بالتراث الإسلامي

تفيد المصادر التاريخية والجغرافية أن "تاهيرت" المدينة التي تعني اللبؤة على لسان القبائل الزناتية والصنهاجية قد عمرت وتمدنت لعصور امتدت إلى فترات ماقبل التاريخ، وأن تاهيرت المدينة القديمة التي شهدت حضارات مختلفة منذ العصر الحجري الرابع هي التي بموضع تيارت الحالية كما أن "تاقدمت "المدينة التي أطلق عليها "الحديثة" و التي ظلت عاصمة للرستميين منذ مقدمهم من القيروان عام 761 للميلاد، وقد عمرت لأكثر من قرن ونيف من الزمن، وعلى أثارها اختط الأمير عبد القادر -فيما بعد- قاعدته العسكرية والإدارية لمقاومته لجيوش الإحتلال الفرنسي.

وحينما زارها أبو القاسم ابن حوقل أقر هذا في كتابه المسالك والممالك وصرح بأن: " تاهرت مدينتان كبيرتان إحداهما قديمة والأخرى محدثة، والقديمة ذات سور وهي على جبل ليس بالعالي وفيها كثير من الناس وفيها جامع، والمحدثة مدينة أيضا فيها جامع كتاهرت القديمة وإمام وخطيب..... "

ولم يكن ابن حوقل وحده من يقرر هذا، فقد وافقه الرحالة الجغرافيي ابن عبد المنعم على غرار المؤرخين القدامي والمحدثين وأطنب في التفصيل بين المدينتين في كتابه الروض المعطار: ""تاهرت مدينة مشهورة من مدن المغرب الأوسط على طريق المسيلة من تلمسان ، وكانت تاهرت فيما سلف مدينتين كبيرتين إحداهما قديمة والأخرى محدثة ،فالقديمة منها ذات سور على قنة جبل ليس بالعالي وبها ناس قبائل من البرابر ........ "إلى أن يقول: "وتاهرت الحديثة في قبليها الواتة وهوارة في قرارات،وبغربيها زواغة وبجوفيها مطماطة وزناتة ومكناسة، وفي شرقيها حصن وهو تاهرت القديمة. "

ذاكرة مفتوحة

ودلت الأبحاث التي إهتدى إليها الدارسون المعاصرون إستئناسا وإسترشادا بالآثار والإكتشافات الموجودة هناك إلى النحو الذي سبق ذكره ، وكان الباحث الدكتور رشيد بورويبة واحد من الذين انتهوا بملاحظاتهم إلى: "أن ناحية السرسو حيث تقع تاهرت كانت أهلة من قديم الزمان ، فالسور الجدارية الموجودة بكاف بوبكر ، والتحف والهياكل التي اكتشفت بسيدي الحسني والمقبرة الميغاليتية لمشرع الصفا تدل أنها كانت مسكونة في فترة ماقبل التاريخ، ومن جهة أخرى اكتشاف أثار قديمة وكتابات لاتينية تبين لنا أن الرومان احتلوا هذه الناحية، كما تدل المباني الجنائزية مثل الجدران، على وجود حضارة محلية متقدمة ،وأخيرا المعركة التي خاضها عقبة ابن نافع بالقرب من تيارت .. "

وتطرزت تاهيرت عبر الدهور بمظاهر الحضارة والتمدن من مرافق وفنادق وأسواق وبساتين وكثرة العيون التي دخلت كل البيوت ووفرة منتجاتها من الثمار والزروع والماشية والخيول بالإضافة إلى رخاء العيش بها وطيبه، واجتمع إلى هذا سماحة أهلها وشهرتهم بالكرم والضيافة و نقل هذه الأخبار إلى الأفاق كل الذين مروا بها أو اكتبوا عنها من الرحالة والمؤرخين وأثنوا على هذه البلاد وأحوازها ودواويرها ، يواصل ابن حوقل في كتابه الذي ذكرنا: "ولهم مياه كثيرة تدخل على أكثر دورهم وأشجار وبساتين كثيرة وحمامات وفنادق وهي أحد معادن الدواب والماشية والغنم والبغال والبراذين الفراهد ويكثر عندهم العسل والسمن وضروب الغلات... "

وإلى هذا النحو يشير ابن عبد المنعم في الروض المعطار بعد أن استحسن كل شيء فيها: "..ولهم تجارات وبضائع وأسواق عامرة وبأرضها مزارع وضياع جمة و بها من نتاج البراذين والخيل كل شيء حسن، وبها البقر والغنم كثير جدا وكذلك العسل والسمن وسائر غلاتها كثيرة، وبها مياه متدفقة وعيون جارية تدخل أكثر ديارهم ولهم على هذه المياه بساتين وأشجار تحمل ضروبا من الفواكه الحسنة ...... "

ازدهار الحياة الاجتماعية والإقتصادية والثقافية

  

و أد ى تزاحم النشاط التجاري هناك و انتظام الأسواق ووفرة المياه وعذوبتها وخصوبة الأراضي بالإضافة إلى حنكة الساسة وحكمتم إلى سرعة نمو المدينة وازدهار الحياة الإجتماعية والإقتصادية والثقافية منذ الوهلات الأولى لقيام الدولة الرستمية التي أقامت علاقات ودية ومتينة مع أكثر الدول والممالك التي عاصرتها لاسيما القيروان و أمراء الأمويين بالأندلس وانتعشت الحياة في جميع مناحيها حتى غدت مقصدا للتجار وقبلة للسواح لشعوب متعددة الأقطار والمشارب.

نقل الباحث المرحوم رشيد بورويبة عن ابن الصغير التاهيرتي المؤرخ المعروف الذي عاصر الدولة الرستمية: "ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا إستوطن وابتنى بين أظهرهم ،لما يرى من رخاء البلد .....إلى قوله حتى لاترى دارا إلا قيل هذه لفلان القروي ، وهذا مسجد القرويين ورحبتهم، وهذا مسجد البصريين ،وهذا مسجد الكوفيين... "، ومن طريف الأخبار التي ذكرها المقدسي عن تيهرت: ".. وانتعش فيها الغريب ،والمسافر اللبيب ، يفضلونها على دمشق وقرطبة وما أظنهم أصابوا ، هو بلد كبير كثير الخير ، رحب رفق الطيب ، رشيق الأسواق ، غزير الماء ، جيد الأهل ، قديم الوضع محكم الرصف ،عجيب الوصف..... " ولئن استبعد المقدسي صواب من فضل تيهرت عن دمشق وقرطبة، فإن اليعقوبي صاحب كتاب البلدان قد نعتها من أنها: "المدينة العظمى ، مدينة تاهرت جليلة المقدار ،عظيمة الأمر ،تسمى عراق المغرب ... "

ومع مايبدو من هذه الأوصاف والمفاضلات من غرابة ومبالغات ، فإنها ليست بالمحال عندما يتعلق الأمر بمدينة استضافت وأكرمت اعظم الرجال : أستاذ العمران والإجتماع والخطط ،ابن خلدون الذي صرح بأنه طاب به المقام وماكان ليغادرها لولا الإشتياق إلى الأهل والعشيرة بتونس. وأزرت بقبائلها وناصرت صاحب المفاخر و البطولات والمواقف الإنسانية ومؤسس الدولة الجزائرية الحديثة الأمير عبد القادر.

هكذا هي تيارت التي اكتست بمواقفها من العظمة والشموخ والكرم والضيافة والإباء، مايجعل منها جديرة بالإهتمام و بأن يخص تراثها بالعناية والتنويه، و ماكان هذا العرض سوى وقفات سريعة ولمحات عابرة لمحطات مشرقة، مع إسداء التحية والتقدير للأساتذة والباحثين الكرام أمثال المرحوم سعد الله وعبد الرحمان الجيلالي والدكتور بوغفالة والأستاذ القدير أحمد بوزيان والدكتور مختار حساني وكل الذين أسهموا في تراث تاهيرت اللامع.