ظاهرة "الحرقة " والجامعة الجزائرية
11 شباط 2019 502

ظاهرة "الحرقة " والجامعة الجزائرية

أ.د. نورالدين حاروش

أ.د. نورالدين حاروش

كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية

جامعة الجزائر 3

    أردت من خلال هذا المقال البسيط أن اعلم الناس بأن الجامعة الجزائرية كغيرها من القطاعات الأخرى مهتمة ومنشغلة بظاهرة الهجرة غير الشرعية "الحرقة"، ولو أن التسمية الصحيحة هي الهجرة غير القانونية لأن الهجرة كظاهرة شرعية ومشروعة؟


     إن الاهتمام الأكاديمي لظاهرة الهجرة غير الشرعية من خلال بعض الرسائل الجامعية الجزائرية كان عنوانا لمقال نشرته بالمجلة العلمية لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، المجلد 16، العدد 2، افريل  2015، وطرحت فيه إشكالية الظاهرة وتداعياتها وكيفية التصدي لها من خلال تفحص بعض الرسائل الجامعية الجزائرية، وبما أن وزارة الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية بادرت مؤخرا لعقد ندوة لدراسة الظاهرة وإيجاد السبل الكفلية للحد من تفاقمها... لا باس أن أقدم لكم الدراسة باختصار واترك الحكم للقارئ الكريم.؟

   لا شك أن الهجرة ظاهرة إنسانية عرفتها المجتمعات منذ القديم، وذلك بحثا عن العيش اللائق والحياة الآمنة، وكانت هذه الهجرة تأخذ المعنى الشرعي أو المشروعي إن صح التعبير، لكن الأمر اختلف في العقدين الأخيرين أين أخذت الهجرة طابعا غير شرعيا مما انجر على ذلك العديد من التداعيات الاجتماعية والصحية والأمنية وحتى السياسية، والجزائر واحدة من الدول التي عرفت هذه الظاهرة وتعاني من تداعياتها، وتحاول بالمقابل معالجتها والتصدي لها، وذلك بتجميع الجهود من مختلف الأطراف والهيئات التي بإمكانها المساهمة في معالجة الظاهرة.

   من الهيئات التي تحاول المساهمة في إيجاد حلول للظاهرة، الجامعة التي تسعى من خلال بعض الرسائل الجامعية الوقوف عند خطورة الظاهرة وإعطاء بعض الحلول، وقد تساءلنا:  هل هناك اهتمام علمي أكاديمي لظاهرة الهجرة غير الشرعية في الجزائر؟ وما طبيعة هذا الاهتمام؟ وهل هناك إجماع على خطورة الظاهرة بغض النظر عن الزوايا التي ينظر منها؟

   بعد القيام برصد وتفحص وتحليل الرسائل الجامعية التي اهتمت بالظاهرة، قصد معرفة طبيعتها أولا، ثم تحديد الجوانب التي كانت محل الاهتمام، وفي الأخير الوقوف عند أهم الحلول المقترحة، وذلك من خلال تصفح البوابة الوطنية للإشعار عن الأطروحات PNST بمركز البحث في الإعلام العلمي والتقني CERIST، حيث وجدت 31 دراسة باللغة العربية، منها 8 دراسات تمت مناقشتها و23 دراسة في طور الإنجاز، ومن الـ 8 دراسات المناقشة اخترت أربع تشمل المجالات العلمية التالية:

  • علوم الإعلام والاتصال

  • العلوم السياسية

  • علم النفس

  • علم الاجتماع

     ولم يكن هذا الاختيار عشوائيا ولكن لمعرفة تناول دراسة الظاهرة من الناحية السياسية والإعلامية والنفسية والاجتماعية، إذا علمنا بأن أبعاد الهجرة غير الشرعية لا تخرج عن هذه المجالات، إضافة إلى مجالات وأبعاد أخرى، وسنقوم بتقديم هذه الدراسات مركزين على موضوع الدراسة، ومنطلقات الدراسة، أي الإشكالية والفرضيات، ثم النتائج المتوصل إليها وبعدها التوصيات أو الاقتراحات المقدمة، لنخلص في الأخير إلى القيام بتحليل هذه الدراسات لمعرفة نقاط التقاطع.

   من خلال استعراض هذه الدراسات قمنا بعملية التحليل قصد الوقوف على أوجه الاختلاف والتشابه للظاهرة وكيف كان النظر إليها وهل هي مشكلة حقيقية تؤرق الدول والحكومات وما هي آليات محاربتها أو الحد من خطورتها واتساعها على الأقل؟ وسيتم التركيز على النقاط التالية:

1ـ من حيث موضوع الدراسة:

   جاءت عناوين أو موضوعات الدراسة مختلفة باختلاف مجال الدراسة وتخصصها طبعا، ولكن المتمعن فيها جيدا يقف عند الهجرة غير الشرعية كظاهرة مثيرة للدراسة والاهتمام بغض النظر عن المجال العلمي، وعليه يمكن القول بان العناوين لا تبدو مختلفة أو متناقضة بل هي في الحقيقة متكاملة، ويمكن إجمال هذه الموضوعات في عنوان شامل كما يلي:

     ما هي العوامل النفسية والاجتماعية لظاهرة الهجرة غير الشرعية في الجزائر، وهل تشكل خطرا على الأمن الإنساني، وما هو دور وسائل الإعلام والاتصال في التحسيس بخطورة الظاهرة؟

2 ـ من حيث إشكالية الدراسة:

     المجالات العلمية محل الدراسة ركزت على خطورة الظاهرة، والتهديدات الأمنية المترتبة عن ذلك وكيف يمكن التصدي لها من خلال وسائل الإعلام، ولكن قبل ذلك إبراز دواعي الهجرة، هل هي نفسية أو اجتماعية ؟ وخاصة معرفة الأسباب والعوامل الحقيقية التي تساهم بصفة معتبرة في تفكير الشباب في الهجرة بطريقة غير قانونية؟ هل لتحقيق مكانة اجتماعية؟ أم لشعور بالتهميش والاغتراب في البلد الأصلي؟

   فعلا فإن هذا التشخيص يبدو صحيحا إلى حد بعيد، وكما يقال فإذا عرف السبب بطل العجب، وما على الحكومات إلا رسم سياسات عامة تنموية تأخذ بعين الاعتبار حاجيات ومتطلبات الشباب خاصة أنه الهدف من التنمية والمستهدف والمرشح للهجرة غير الشرعية.

3ـ من حيث فرضيات الدراسة:

     إذا اعتبرنا بأن الفرضيات العلمية يمكن أن تكون حلولا او جزءا من الحلول لهذه الظاهرة ، فقد جاءت هذه الحلول الافتراضية إذا حسب مجالات الدراسة، ومنه فالأسباب الاقتصادية والاجتماعية والبطالة والتهميش وتحسين الأوضاع المادية كانت دوافع للهجرة، إضافة إلى التهديدات الأمنية واهتمام وسائل الإعلام والاتصال بالظاهرة، وهو ما يستعدي العمل بالتركيز على تصحيح هذه الاختلالات، وبالتالي التقليل من خطورة الظاهرة على الأقل، إذا كان التخلص منها واقتلاعها من جذورها يبدو امرأ بعيد المنال، خاصة على المستوى القريب والمتوسط.

4ـ من حيث النتائج المتوصل إليها:

   من حيث النتائج المتوصل إليها تم الوقوف عند العجز والقصور في معالجة الظاهرة من خلال المجالات العلمية المدروسة، الأمر الذي يستدعي مضاعفة الجهود أكثر، خاصة بعد تشخيص الظاهرة بطريقة علمية ودقيقة.

     فلم تعط وسائل الإعلام أهمية كبيرة للظاهرة من حيث حجم التغطية بالرغم من امتداد الظاهرة على طول أيام السنة تقريبا، وهيمنت الأخبار والتقارير الصحفية على التغطية الإعلامية، وإبراز كل مقومات الإثارة للنهايات المأساوية للمهاجرين غير الشرعيين( قوارب الموت)، بالمقابل تعتبر وسائل الإعلام الأجنبية كعوامل جدب.  

     من الناحية السياسية فشل الحلول التي ركزت على الجانب الأمني فقط، وتجاهل الأسباب الحقيقية للهجرة غير الشرعية كالفقر و البطالة وانخفاض مستوى المعيشة وتردي مستويات مؤشرات الأمن الإنساني، واعتبار المهاجر غير الشرعي مجرم؟؟

     الجانب الاجتماعي هو الدافع الأساسي لسلوك الهجرة غير الشرعية، والذكور اكبر، بسبب البطالة والتهميش اللذين لهما دور كبير في تفكير الشباب في الهجرة غير الشرعية، (معظم المستجوبين بدون عمل، من مناطق نائية، بدون ادني وسائل الراحة والترفيه...)، وعليه فهناك رغبة جامحة للشباب في تحسين مستواه المعيشي، (معظم المستجوبين يرغبون في تحسين أوضاعهم المادية والهروب من واقعهم المرفوض...)

5ـ من حيث الاقتراحات والتوصيات:

     التوصيات والاقتراحات التي تقدمت بها هذه الدراسات تشكل قاعدة علمية تمكن الأطراف المختلفة، وليس السلطات الرسمية فقط، من التصدي لهذه الظاهرة وبالتالي المساهمة في تقديم بعض الحلول من خلال تحسين الأوضاع الاجتماعية والمادية وإدماج الشباب في الحياة العامة ودفع المسؤولين على وسائل الإعلام والاتصال بالتركيز والاهتمام أكثر على الظاهرة، وعليه ضرورة عقد ندوة وطنية لدراسة ظاهرة الهجرة غير الشرعية الحراقة في الجزائر بمشاركة الجميع، السلطات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام يتم من خلالها الإقرار بأن ظاهرة الهجرة غير الشرعية أزمة اجتماعية واقتصادية وإنسانية تعيشها الجزائر، وقيام السلطات فيما بعد بإعداد وتبني سياسة إنمائية أو إستراتيجية اقتصادية اجتماعية تؤدي إلى خلق فرص العمل واحترام الكرامة الإنسانية، من خلال تنسيق التعاون الأمني بين الجزائر والدول الأوروبية المعنية والسعي لإيجاد تعاون سلمي في المجال الاقتصادي خاصة، هذا التعاون يكون بين الدول المتقدمة والمتخلفة من جهة وبين الدول العربية فيما بينها من جهة أخرى، وبعث التنمية، وتقديم المساعدات وتشجيع الاستثمار الخارجي وإعادة إدماج المهاجرين غير الشرعيين، وكذا إنشاء مراكز تكوين للشباب، وإصلاح الإدارة والمنظومة التربوية والجامعية وإبرام اتفاقيات بين الجامعات ومراكز التكوين والمؤسسات الاقتصادية لاستقطاب خريجي هذه المراكز ... أليس هذا ما خلصت إليه ندوة وزارة الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية؟

اقرأ أيضا..