نورالدين حاروش
نورالدين حاروش
23 كانون2 2019 496

الكابوس ...فرنسا عادت إلى الجزائر؟؟

أ.د. نورالدين حاروش

جامعة الجزائر3

      احترت بعض الشئ عندما قمت بتسجيل ملف طلب التأشيرة للدخول إلى الأراضي الفرنسية و لم أتمكن من إنهاء العملية كون المواعيد مؤجلة إلى أجل غير مسمى، وفي الحال تذكرت نتيجة الاستفتاء الذي جرى مؤخرا بكاليدونيا الجديدة، مدن ما وراء البحار التابعة لفرنسا، وكيف رفضت هذه الدولة ذات الحكم الذاتي، الانفصال عن فرنسا؟ ربما يعود السبب إلى ملف التأشيرة وصعوبة دخول التراب الفرنسي في حالة الانفصال، علما أن هذا البلد كان وجهة الكثير من الجزائريين الذين هجرتهم فرنسا قسرا في النصف الثاني من القرن 19م... لم أترك المجال لمخيلتي في الغوص في الأسباب: كيف، لماذا أين ومتى وبأي ثمن؟ وانزويت في زاوية من البيت لم يكن مكاني المعتاد والمخصص للنوم، وما هي إلا لحظات حتى وجدت نفسي في اللاوعي نتيجة النعاس الذي استعمرني بسرعة... عادت فرنسا إلى الجزائر ولكن قبلها كانت هنا، كيف؟


       بعد الاتصالات التي جرت بين الداي حسين والقائد الفرنسي دي بورمون والتي انتهت بإبرام معاهدة الاستسلام في 05 جويلية 1830م، بدأ الاحتلال الفرنسي للجزائر، وبالرغم من تعهد فرنسا بأنها لا تلحق بالجزائريين وممتلكاتهم وتجارتهم وشرفهم ومساجدهم أي أدى، تعهدت فرنسا كذلك من خلال القائد دي بورمون بأنها ستترك الحرية للجزائريين في دينهم، وقد صدق الكثير من مثقفي وأعيان مدينة الجزائر وعود الفرنسيين الذين زعموا في بياناتهم أنهم ما حضروا إلى الجزائر بحملتهم العسكرية إلا لاستعادة شرف فرنسا وتأديب الداي حسين الذي نفته فرنسا إلى إيطاليا وتخليص الشعب الجزائري من جور الأتراك وظلمهم، كما ظن هؤلاء الأعيان أن الأمة الفرنسية، الأمة المتحضرة والشريفة... والتي تتغنى بشعاراتها المعروفة في الحرية والمساواة والأخوة...لا يمكنها أن تحتل أمة أخرى أو تخل بتعهداتها... لكن سرعان ما اتضح لسكان مدينة الجزائر وما جاورها حقيقة الغزو مما جعلهم يواجهون الجيش الفرنسي ببسالة وشجاعة... وفي رسالة وجهها الداي حسين من منفاه إلى ملك فرنسا حول الغزو، يقول فيها: " أن بذرة غريبة على ارض إفريقيا لا يمكنها أن تنبت سوى شجر الدفلة"، وقد صدقت نبوءة الداي فبعد 132 سنة من الاستعمار  خرجت فرنسا من الجزائر خائبة ونبتتها لم تثمر؟

   لقد تميزت المقاومات الشعبية المسلحة التي خاضها الشعب الجزائري منذ أن وطأت أقدام العدو هذه الأرض الطاهرة بتمسكه بأرضه ووطنه وعدم اقتناعه بخطاب الاحتلال وشعاراته المخادعة، هذه المقاومة المنبعثة من الروح الوطنية غلب عليها الطابع الريفي لأنها انطلقت من الأرض التي أراد المستعمر نزعها منه.( كانت فرنسا تقوم بمصادرة أملاك السكان الذين شاركوا في المقاومات الشعبية المسلحة).

     يمكن اعتبار المقاومة الشعبية المسلحة بداية تبلور ونضج الوعي الوطني لدى الجزائريين، وقد كان الوازع الديني هو المحرك القوي لمختلف المقاومات التي احتضنها الريف الجزائري إلى غاية بداية القرن العشرين، وقد مثلت هذه المقاومات الشعبية المسلحة بالرغم من فشلها، الدرع الواقي للكيان الجزائري من كل محاولات الطمس والتغريب والتنصير وغيرها...

     تعرضت الجزائر لاستعمار فرنسي دام 132 سنة أي عمر أربعة أجيال إذا سلمنا بأن عمر الجيل هو ما بين 30 إلى 40 سنة، وهناك من يرى بأن عمر الجيل الواحد هو 33 سنة، بينما يرى بن خلدون بأن عمر الدولة مثل عمر الأشخاص وهو 120 سنة يمثل ثلاثة أجيال ب 40 سنة لكل جيل وتنتهي الدولة في الجيل الرابع، وتختلف الأجيال من حيث طبيعتها ومواصفاتها ، فالجيل الأول يتصف بالبداوة (الخشونة والتوحش)، ويتصف الجيل الثاني بالترف والكسل (الحضارة)، وينسى الجيل الثالث عهد البداوة والخشونة و«يصيرون عيالاً على الدولة»، وتهرم الدولة وتتخلف في الجيل الرابع حين ينقرض الحسب. كما أن الجيل الأول يكون محافظا على العادات والتقاليد والأعراف  والقيم بشكل كلي، ويأخذ الجيل الثاني جزء كبير من هذه الأعراف والتقاليد ويأخذ بعضا منها من خارج الجيل الأول وهنا يبدأ نوعا ما التخلي عن هذه الأعراف والقيم، ثم يزداد هذا التخلي في عهد الجيل الثالث الذي يأخذ الجزء الأكبر من خارج الجيل الثاني، ويأتي الجيل الرابع مختلفا تماما عن الأجيال السابقة لأن قيمه وأعرافه مأخوذة من جهة أخرى مغايرة تماما لما كان عليه أسلافه وهنا فقط يمكن التغيير الجذري، وهذا ما قام به الجيل الرابع في الجزائر منذ دخول فرنسا الاستعمارية... ويمكن تقسيم الأجيال كما يلي:

الجيل الأول بعد الاستعمار  مباشرة ويمتد من 1830 إلى 1862: عرفت الفترة عدة مقاومات شعبية هي:

  • مقاومة متيجة 1830م:
  • مقاومة أحمد باي بالجزائر وقسنطينة 1830 
  • مقاومة الأمير عبد القادر بالغرب الجزائري بداية من سنة 1832
  • مقاومة منطقتي الأوراس والجنوب القسنطيني 1837 م.
  • مقاومة أنصار بومعزة 1845م.
  • مقاومة الزعاطشة 1849م.
  • مقاومة بوبغلة وفاطمة نسومر 1851 م.
  • مقاومة الاغواط 1851 م:
  • مقاومة بني سناسن 1858
  • ثورة أولاد سيدي الشيخ 1854-م

الجيل الثاني يمتد من 1863 إلى 1896: عرفت المرحلة أو هذا الجيل استمرار المقاومات الشعبية المسلحة:

  • ثورة المقراني والشيخ الحداد وبومزراق 1871م
  • مقاومة الشيخ بوعمامة 1881 م
  • ثورة محمد بن التومي (بوشوشة) 1870م
  • مقاومة مولاي الشقفة 1871م
  • مقاومة بني مناصر 1871م
  • مقاومة الصبايحية 1871م
  • مقاومة واحة العامري 1876م
  • 17- مقاومة التوارق 1877-1912م
  • مقاومة الشيخ أمود 1881م
  • مقاومة الاوراس الأولى 1879م

الجيل الثالث يمتد من 1897 إلى 1930: عرف هذا الجيل نضال أخر  هو النضال السياسي المطلبي:  

      على إثر فشل المقاومات الشعبية المسلحة، تغير النضال باستعمال وسيلة أخرى وهي النضال السياسي المطلبي، وهذا بداية من سنة 1900م، حيث تميزت هذه المرحلة بإنشاء وتأسيس عدة تكتلات سياسية كانت مطالبها تدور حول المساواة بين الجزائريين والفرنسيين وإلغاء قانون الأهالي والإجراءات التعسفية، والدعوة إلى القومية الإسلامية ونشر وإصلاح وسائل التعليم باللغة العربية وحرية الهجرة وغيرها، فنذكر:

  • كتلة المحافظين 1900م: وهي خليط من المثقفين التقليديين والمحاربين القدامى والزعماء الدينيين
  • جماعة النخبة 1907م: وتتألف من المثقفين الجزائريين الذين جمعوا بين الثقافة العربية والفرنسية،
  • حركة الفتى الجزائري 1912م: التي لم تختلف مطالب هذه الحركة عن سابقيها.
  • الحزب الإصلاحي 1919م: بزعامة الأمير خالد وهذا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، ولم يكن حركة دينية إصلاحية فحسب، بل حركة ذات صبغة سياسية ووطنية،

     من خلال هذه التكتلات بدأ الوعي السياسي والوطني ينمو عند الجزائريين ليتبنوا فيما بعد وسيلة نضالية أخرى وتعرف بالحركة الوطنية ...

الجيل الرابع يمتد من 1931 إلى 1962جيل الثورة؟؟ وهم من قرروا محاربة فرنسا بسلاحها؟

     عرفت هذه المرحلة ( 1926- 1954) بمرحلة المواجهة السياسية المنظمة مثلتها الأحزاب السياسية التالية:

  • نجم شمال إفريقيا 1926م. ENA
  • فيدرالية المنتخبين الجزائريين 1927م FEA
  • جمعية العلماء المسلمين الجزائريين 1931م.Oulama
  • الحزب الشيوعي الجزائري 1935م،.PCA
  • حزب الشعب الجزائري 1937م وهو استمرار لنجم شمال إفريقيا.PPA
  • أحباب البيان والحرية 1944م.
  • الإتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري 1946م.UDMA
  • حركة انتصار الحريات الديمقراطية 1946م، MTLD وهي استمرار لحزب الشعب الجزائري

     لكن في مارس 1954م، اجتمع مسؤولين من حزب الشعب  حركة انتصار الحريات الديمقراطية  وكذا مسؤول من المنظمة الخاصة ( بوضياف) بمدرسة الراشـد ( 2 شارع علي عمار Ex.Rabbin Bloch بالجزائر)، وأسسوا لجنة سميت باللجنة الثورية للوحدة والعمل، CRUAهذه الأخيرة التي ينضم إليها بن بولعيد عضو اللجنة المركزية، اقترحت إعادة توحيد قاعدة المناضلين من خلال عقد مؤتمر موحد للحزب، وفي نفس اليوم قررت اللجنة الثورية للوحدة والعمل CRUA إنشاء جريدة المواطن Le Patriote  تمول من أموال اللجنة المركزية، والافتتاحية تكتب من طرف حسين الأحول، ومن جهة أخرى خصصت مبالغ مالية أخرى لهذه اللجنة لتغطية نشاطاتها. وبداية من شهر ماي 1954م، تغير هذه اللجنة من أسلوبها في العمل، بحيث يتصل بوضياف من جهة بإطارات من المنظمة الخاصة وبالبعثة الخارجية للحزب بالقاهرة من جهة أخرى، وهم محمد خيضر وأحمد بن بلة وحسين ايت احمد، ومن هنا بدأ الاستعداد للعمل المسلح وبسرعة لتجاوز الخلافات الموجودة داخل الحزب،. للتذكير هذه الاستعدادات والنوايا كانت سرية للغاية، وقد سئل بوضياف عما إذا لم يلتحق الشعب بهذا العمل المسلح، فقال ستكون بذلك عملية انتحارية .

      بعد تشكيل مجموعة الـ 22 والذين فوضوا لمجموعة الـ6 مسؤولية تفجير الثورة وتعين قيادتها وتم تحديد أول نوفمبر 1954م موعدا لانطلاقها وإصدار الإعلان لها تحت اسم جديد وهو جبهة التحرير الوطني. وعلى إثر الاجتماع الذي عقد بتاريخ 23 أكتوبر 1954 بالرايس حميدو، بلدية بولوغين، حيث تم تقسم البلاد إلى مناطق وتوزيع المسؤوليات بين الأعضاء الستة وتحديد منتصف جانفي 1955م كموعد لتقييم المرحلة الأولى للكفاح المسلح، فكان التقسيم كما يلي:

المنطقة الأولى: أوراس - النمامشة: مصطفى بن بولعيد (37 سنة) المساعدان : شيحاني بشير وعجول عاجل

المنطقة الثانية: الشمال القسنطيني: ديدوش مراد (27 سنة)، المساعدان: زيغود يوسف ولخضر بن طوبال

المنطقة الثالثة: منطقة القبائل : كريم بلقاسم ( 32 سنة)، المساعدان: عمر أوعمران وزعموم محمد

المنطقة الرابعة: منطقة الجزائر: رابح بيطاط ( 29 سنة)، المساعدان: سويداني بوجمعة وبلحاج بوشعيب المدعو سي أحمد

المنطقة الخامسة: منطقة وهران:محمد العربي بن مهيدي (31 سنة)، المساعدان: بن عبد المالك رمضان وبوصوف عبد الحفيظ.

المنطقة السادسة: وهي الصحراء في طور التكوين، ملحقة بالناحية الأولى، وترك لبن بولعيد مهمة تشكيلها.

    وتم استبدال المناطق بالولايات بعد مؤتمر الصومام في 20 أوت 1956م، وإنشاء الولاية السادسة وهي الصحراء تحت قيادة علي ملاح.

     من خلال تقسيم المناطق وتوزيع المسؤوليات نجذ ستة رجال منهم يمثلون تيارا له جذوره الراسخة في المنظمة الخاصة شكل الحل الثالث أو الطريق الثالث بعد الخلاف الذي نشب في وسط الحزب، وقد أعلنوا للشعب أن الكفاح المسلح الذي أعلنوه موجه ضد الاستعمار.

       ومن خلال القراءة السريعة لأعمار قادة الولايات التي أشعلت فتيل الثورة التحريرية في أول نوفمبر 1954 يتضح لنا من أن الشباب الجزائري هو الذي قرر الثورة وقادها في بدايتها وهو الجيل الرابع بعد دخول فرنسا إلى الجزائر والذي يختلف اختلافا جذريا عن الأجيال السابقة؟؟، فمعدل عمر هذا الشباب لا يتعدى 31 سنة، هذه المرحلة من عمر الإنسان تتميز بالقوة والنشاط والطموح وحب التنفيذ، خاصة إذا ما تم تطبيقها على الجزائر وقتئذ من خلال الأوضاع المزرية التي كانت تعيشها في جميع المجالات، ولكل عاقل الآن فهم ردود الأفعال التي صاحبت انطلاق الثورة من طرف هؤلاء الشباب وكيف نعتوهم بالتهور والمجازفة، بل وبالانتحار في بعض الأحيان.

       بعد خروج فرنسا مهزومة من طرف الجيل الرابع، وذلك سنة 1962، يمكننا الآن قياس عمر الدولة  الجزائرية المستقلة ومتى ستعود فرنسا للجزائر؟؟

  • الجيل الأول بعد الاستقلال: 1962 ـ 1995
  • الجيل الثاني بعد الاستقلال: 1996 ـ 2029
  • الجيل الثالث: 2030 ـ 2063
  • الجيل الرابع: 2064 ـ 2097

     وعليه فستعود فرنسا مرة أخرى إلى الجزائر غازية مستعمرة  أو فاتحة (من الفتوحات)سنة 2097 وسيحتضنها الجيل الرابع ويستقبلها بالدف والزغاريد والورود لأنه أصبح لا علاقة له بماضيه وتاريخه ولا يعرف أي شئ عنه وعن أسلافه السابقين ولم يقرأ أي مقرر أو برنامج أو منهاج في كل مراحله التعليمية عن ذلك؟ كما أنه يضيق ذرعا من إجراءات التأشيرة للدخول إلى التراب الفرنسي فيدعها تدخل عوضا عنه وبدون تأشيرة... عندها أحسست بلدغة ناموسة  تشبه النمر تمزق جلدي فاستيقظت مفزوعا مروعا من هذا الكابوس؟

اقرأ أيضا..