مفاتيح القضية الفلسطينية توجد في الأردن، وليس في فلسطين
05 كانون1 2018 55

مقاربات

مفاتيح القضية الفلسطينية توجد في الأردن، وليس في فلسطين

د. أسامة عكنان

مقدمة لا بد منها حول مركزية "المقاومة" في قضية "تحَرُّر" الشعب الأردني

لو خُيِّرَ المرءُ بين الهواء والماء والغذاء،لاختار أن يتنفس، لأنه لا يستطيع الحياة بدون هواء أكثر من دقائق، بينما هو يحتمل العيش بلا ماء أو غذاء،وقتا أطول بكثير من قدرته على البقاء بدون هواء، لذلك نراه يضمن الهواء أولا،ليبقى على قيد الحياة، ثمينا ضلَ من أجل الماء والغذاء.ولو خُيِّرَ في مرحلة لاحقة من نضاله بعد تأمين الهواء،بين الماء والغذاء،لاختار أن يشرب، لأنه لا يستطيع الحياة بدون ماء أكثر من بضعة أيام، بينما هو يحتمل العيش بلا غذاء،لأشهر متواصلة، لذلك نراه يضمن الماء أولا، ليبقى على قيد الحياة، ثم يناضل من أجل الغذاء.

قبل أن يستكملَ الإنسان حزمةَ احتياجاته الحيوية التي بدونها لا تقوم حياتُه، "الهواء،والماء،والغذاء"، فإنه لا يستطيع ممارسة تلك الحياة، ولاحمايتها،ناهيك عن تفعيلها وتطويرها.حياة الإنسان لا تبدأ إذن إلا بعد تأمين "الهواء"،و"الماء"،و"الغذاء"،وليقبل ذلك، ومعركة تأمينها ،هي معركة تأمين الوجود والبقاء لوضع القدمين على بداية طريق ممارسة الحياة وتنميتها بالشكل الصحيح، أما قبل تأمينها، فالحياةُ غير قائمة وغير موجودة أصلا، ولا يصح الحديث بالتالي عن حياة قائمة لكنها ناقصة، فالحياة الناقصة،هي حياة هواؤُها مؤمَّن،وإن كان فيه بعض التلوُّث، وهي حياةٌ ماؤُها مؤمَّن، وإن كان فيه بعضٌ الدَّخَن، وهي حياةٌ غذاؤها مؤمَّن، وإن كان فيه بعض الكفاف،ولا يكفي تأمين عنصر أو اثنين منها،كي يستقيمَ أمر الإنسان،فيعتبر نفسَه حياًّ حياة ناقصة،ليبدأ مسيرة تفعيل حياته وتطويرها.

إن خصوصية هذه المعادلة القانون في حياة "المواطن الأردني"، ومن ثم في حياة "الشعب الأردني" تتجلَى في أن "الحرية" و"العدالة" و"المقاومة" في حياة هذا المواطن وذلك الشعب تكون في لحظة البدء كلُّها هواء.وعندما يتنفسها باحثا عن مائه،سيجدها كلُّها ماء.وعندما يشربها باحثا عن غذائه،سيجدها كلُّها غذاء.وإذن فلا تبدأ حياة "المواطن الأردني"،بدون "الحرية" و"العدالة" و"المقاومة" معا وفي ذات الوقت،ولاهي تستمر وتتواصل بدونه وفي ذات الوقت.ولاهي تنمو وتتفعل بدون ذلك كلِّه معا وفي ذات الوقت.

وبالنظر لكون "الحرية" و"العدالة" تشكلان معا الجوهر القيمي للتغيير المجتمعي لأجل تخليص أي مجتمع من الاستبداد السياسي ومن الظلم الاقتصادي، فبإمكاننا إعادة صياغة قضية الشعب الأردني باعتبارها قضية تقوم على ركيزتين اثنتين هما:

الركيزة الأولى: "التغيير المجتمعي" متمثلا في النضال من أجل تجسيد قيمتي الحرية والعدالة،

الركيزة الثانية: "مقاومة الصهيونية" متمثلة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي للأرض.

وإذن فلا يمكن لحياة الشعب الأردني أن تبدأ أو أن  تقوم بعنصري "الحرية" و"العدالة" وحدهما، أي بعنصر "التغيير المجتمعي" وحده. فالقضية الوطنية للشعب الأردني ليست هي فقط قضيته في مواجهة نظامه "الفاسد، الطبقي، الظالم، المستبد"،بل هي قضيته في مواجهة ذلك النظام بمواصفاته الوظيفية تلك إلى جانب مواجهته للاحتلال الإسرائيلي للأرض، فإذا لم يكن عنصر "المقاومة" مُكَوِّنا شرطيا في التأسيس لحياةٍ أفضلَ لأيِّ شعبٍ عربي،فإنه مُكَوِّن شرطي جوهري في التأسيس لحياة الشعب الأردني وتَحَرُّرِه وانطلاقه ونهضته.. إلخ.

ولأن هذا التأصيل الفلسفي القائم على فكرة تزاوج "التغيير المجتمعي"، و"مقاومة الصهيونية"، للتأسيس لحياة الشعب الأردني في الدولة الأردنية، أمر غاية في الأهمية لمن يريد أن يفهم دور الأردن أرضا وشعبا ونظاما – أيْ دولةً – في مستقبل الصراع العربي "الإسرائيلي" الذي تم اختزاله في مفهوم متقزِّم هو "القضية الفلسطينية"، فقد كان من المفيد أن نستهلَّ تحليلنا بهذه المقدمة كي نلفت الانتباه فيها إلى مركزية هذه المعادلة في فهم الدور المستقبلي للأردن في الصراع.

فشل تجربتي عزل قضية "التغيير المجتمعي" عن "مقاومة الصهيونية"

لقد أثبتت سيرورة "الحالة الوطنية الأردنية"، وهي الحالة التي تعاطى من خلالها الشعب الأردني عبر قواه الوطنية مع قضيته بُغْيَةَ إنجازها، ومن خلال الوقائع التاريخية على مدى السبعين سنة الماضية، أن ما أشرنا إليه في المقدمة السابقة ليس خيالا مجنَّحا، ولا هو تحليل طوباوي غير مستند إلى رؤية تاريخية، بل هو قانون تاريخي لا يمكن للحالة الأردنية – تحديدا – أن تحيد عنه في سياق إنجاز الشعب الأردني لقضيته الوطنية.

فمنذ وحدة الضفتين عقب مؤتمر أريحا الشهير عام 1948(1)، وظهور قانون جنسية التأسيس عام 1949(2)، وولادة دولة "المملكة الأردنية الهاشمية"(3) التي عَبَّرَ عنها دستور عام 1952(4)، نزع الشعب الأردني إلى الانحياز لفكرةٍ تقوم على تجزئة قضيته الوطنية إلى شِقَّين، هما:

أولا: "التغيير المجتمعي" متمثلا في مناجزة النظام الوظيفي الهاشمي بُغْيَةَ إجباره على تغيير نهجه السياسي وتحويل الأردن من ثم إلى قاعدة آمنة للتحرير والمقاومة.

ثانيا: "مقاومة الصهيونية" باعتبارها الأداة التي سوف يملكها النظامالوطني الأردني لتحرير الأرض.

إن الشعب الأردني في تعاطيه مع قضيته بشقيها هذين وقع في خطيئة تاريخية كبرى ناتجة عن عدم وعيه بمتطلبات إنجاز هذه القضية. ولقد تمثلت هذه الخطيئة في أنه ناضل في الخمسينيات لأجل التغيير المجتمعي مُؤَجِّلا النضال لأجلتحرير الأرض، ففشل عندما أسقط النظام الأردني عام 1957 أول حكومة وطنية برلمانية ديمقراطية انتُخِبَت عام 1956(5). وبإزاء هذا الفشل ظن الأردنيون أن الخطيئةتكمن لا في فكرة الفصل بين الشقين من حيث المبدأ، بل في عدم التوفيق في اختيار القضية المؤجَّلة والقضية المعجَّلة، فلجأ منذ ذلك الوقت إلى انتهاج النهج المقابل، متجها نحو تعجيل قضية التحرير والمقاومة التي كان قد أجلها في الخمسينيات، وتأجيل قضية التغيير المجتمعي التي كان قد عجَّلها آنذاك، ففجَّر ثورته عام 1965(6).

لكنه عاد ليفشلَ من جديد عندما تمكن النظام من التآمر على ثورته وإفشالها وطردها من الأردن عام 1970(7) عقب مجزرة أيلول، ودفعها إلى الشتات الذي جعل سيرورتها تؤول إلى ما نحن فيه الآن، ليثبتَ أن الصواب إنما يكمن في العمل على حلِّ التناقضات الناتجة عن القضيتين وهما "التغيير المجتمعي" لتغيير النهج السياسي للنظام، و"مقاومة الصهيونية" لتحرير الأرض المحتلة معا وفي ذات الوقت.

هذا وتعتبر البوصلة التي تحركت وتتحرك وفق اتجاهاتها كل سياسات النظام الأردني وأدواره الوظيفية التي مارسها على مدى تاريخه الماضي، والتي سيمارسها على مدى تاريخه القادم، هي تلك المتعلقة بكيفية منع تحقُّق التزاوج بين شقي قضية الشعب الأردني سالفتي الذكر، وهو ما نجح فيه أيما نجاح فيما نطلق عليه وصف لعبة "ليغو الهويات"(8)، فما هي هذه اللعبة وكيف ما يزال النظام يمارسها لتحقيق كلِّ غاياته وليلعب كلَّ أدواره؟!

لعبة "ليغو الهويات" ودورها في التأسيس للدور الوظيفي للنظام الأردني

يقوم جوهر اللعبة التي مارسها النظام الأردني وما يزال، على مبدأ أن المواطن الأردني من أصل فلسطيني يجب أن يبقى مُتعلقا بوهمٍ لن يتحقَّق بنهج التسوية والتسويف والترحيل المُتَّبَع مهما طال الزمن، ألا هو وهم "الدولة الفلسطينية" غرب النهر، أَيْ في الضفة الغربية، بعد أن تمَّ التنازل نهائيا عما سواها أصلا، وذلك كي لا يلتفتَإلى من هم حوله وهم يسرقون وينهبون ويُخَرِّبون بلدا يُراد له أن لا ينتمي إليه، كي لا يهتمَّ بتخريبه، وكي لا ينتفضَ مُحتجا على تدميره، وكي لا يكون من ثمَّ معنيا بالدفاع عنه من  مخربيه الداخليين، مادام الكلُّ يُقنعه بأنه مقيمٌ فيه بصفته ضيفا،وبشكلٍ مؤقتٍ باتَ انتهاؤُه قريبا، وغدت مغادرتُه له وشيكة من جهة، وكي يَضْعُفَ من ثم وبسبب سلبيته هذه شقيقُه الآخر – الشرق الأردني – وهو يحاول منفردا إصلاحَه وإنقاذَه من التخريب والدمار اللذين ينحدر نحوهما من جهة أخرى، فيكونُ المنتفع الوحيد جراءَ ذلك هو النظام الوظيفي، ببيروقراطهوكومبرادوره(9)،  ويكون المتضرِّرُ الدائم هو الشعب الأردني بكلِّ فئاته وشرائحه وطوائفه.

ولكي تبقى هذه المعادلة الطبقية قائمةً وحاكمةً ومُحَقِّقَة للغرض منها، كان يجب أن يتمَّ التعامل مع مشروع "الهوية الفلسطينية الوهم"، ومع "مشروع الدولة الفلسطينية الفاشل"، بمنطق "شعرة معاوية"، الذي يعني في هذا السياق، اللجوءَ إلى أحد النهجين التاليين أَيُّهُما تستدعيه الحاجة الناجمة عن سيرورة القضية:

النهج الأول: إما أن يتمَّ تفعيلهما– أي "مشروع الهوية"، و"مشروع الدولة"– وإحياؤهما بالجعجعة والصراخ والعويل، كلَّما قاربا على الموت، وكلَّما أصبح النهج السياسي للنظام الأردني مُهَدَّدا بمخاطر السقوط،وذلك للدفع بالأعناق لتشرئِبَّ نحو الغرب، عبر خلق عناصر ترحيل جديدة تعيد إنتاج ثقافة "الأمل" و"الإمكان" و"دعونا نحاول"، و"لنعطي للتسوية فرصة أخرى"، وهي الثقافة القادرة على إعادة إنتاج الحياد السياسي الكامل للأردنيين من أصل فلسطيني فيما يتعلق بالشأن الأردني الداخلي.

النهج الثاني: وإما أنه عندما تشرئبُّ أعناق الأردنيين من أصل فلسطيني نحو الغرب حيث الأمل الذي يكون قد بدأ يناغش أوهامَهم بسبب شعرة معاوية تلك، وكي لا يبالغوا في أوهامهم وأحلامهم، يتمُّإرخاء الشعرة عبر تحويل زاوية النظر السياسي لتنحرف قليلا نحو الشرق، لتقلَّ سقوفُ التوقعات من جديد، وتسترخي القضية إلى أجلٍ تحدِّدُه مخاطر انعكاساته على الداخل الأردني، ليُعادَ شدُّ الشعرة من جديد عندما يُرى أن هؤلاء بدأوا يعودون إلى حقيقة أردنيتهم وما تمليه عليهم من مسؤوليات وطنية.

إن الحالة السياسية التي يُخْشَى من أن يَنْتُجَ عنها اندفاعُ الأردنيين من أصل فلسطيني إلى البدء في البحث عن رهانٍ آخر غير رهان تجسيد "الهوية الفلسطينية"بمشاريع التسوية القائمة على الترحيل الأبدي كطريق منتَهَج لهذا التجسيد، هو رهان الانتماء الكامل للوطن الأردني أرضا وهوية وشعبا، بوصف هذا الانتماء هو البديل الأكثر فعالية للتأسيس للهوية الفلسطينية وللدولة الفلسطينية في حاضنة مشروع التحرير الحقيقي من القاعدة الآمنة الحقيقية "الأردن"، بدءا من اعتبار الضفة الغربية أرضا أردنية يجب تحريرها كمقدمة لتحرير الأرض الفلسطينية المحتلة، ومرورا بالاندماج المتفاعل على نحوٍ شامل في حراك التغيير والإصلاح في البلاد، ما يُهَدِّد النهج السياسي للنظام الوظيفي بشكلٍ جَدِّي، ويرفِدُ الشقيقَالآخرَفي نضاله الوطني، رغم أنه ما يزال حتى الآن يلعب في الساحة وحيدا مع الأسف، بسبب نجاح النظام في تمرير معادلته الشيطانية هذه..

نقول.. إن هذه الحالة السياسية، وما ينتجُ عنها من اندفاعٍ نحو أَرْدَنَةِ المُنْطَلَق لتحرير فلسطين، ونحو ما تقتضيه أَرْدَنَة المنطلق هذه من اندفاعٍ نحو التغيير الداخلي الجاد والحقيقي للانعتاق من براثن الوظيفية والتحليق في فضاءات الوطنية، تجعل النظام يتحرك من داخل المساحة التي تتيحها لعبة "ليغو الهويات"، عبر التنسيق الكامل مع أذرع الإمبريالية الأخرى صهيونية كانت أو وظيفية عربية، باتجاه إعادة إحياء مشاريع "الهوية الفلسطينية" الأسطورية غير المؤَسَّسَة، عبر خلق حواضن تسوويَّة جديدة لها تملك القدرة على الترحيل والتسويف، لتخفيف الضغط على البُنْيَة الوظيفية التبعيَّة للنظام الأردني وللدولة الأردنية.

وخلال اللعب بطرفي هذه المعادلة بمنطق شعرة معاوية، يتحرك الإقليميون من الطرفين بمنتهى الرعونة والحماقة والغباء، للتجاوب عن وعي أو عن غير وعي مع ما يُراد للشعرة أن تحقِّقَه في سيرورة الهويتين والقضيتين وهما تتبادلان مواقع الاهتمام في "لعبة الليغو" التي يمارسها النظامان الوظيفيان في "عمان" وفي "رام الله".

وبالتالي ولكي يفشلَ الإصلاح في الأردن يدفعون بالأردنيين من أصل فلسطيني إلى التَّشَبُّث بوهمٍ "الفلسطينية" التي سيشاع أنها اقتربت، على حساب اندماجهم الكامل في مواطنتهم الأردنية وما تقتضيه من حراك فاعل باتجاه التغيير والإصلاح الداخليين.

وعندما يصبحون– أي الوظيفيون – ملزمين بالتجاوب مع متطلبات التشبُّث الذي دُفِعَ إليه هؤلاء الواهمون، يتمُّ الغزلُ على الناعم من جديد لاستعادتهم بلطفٍ نحو الأردن ونحو المطالب الإصلاحية فيه، ليُخَفِّفوا الضغطَ عن الجبهة الغربية، ريثما تستدعي اللعب على موجات التوجيه الكامل نحوها من جديد المُخْرَجاتُ السياسية لمستويات العودة الناعمةالتي تمَّ اللجوء إليها نحو الشرق قبل ذلك.

وبالتالي فكلَّما انتشرت في الأفق حيثياتٌ سياسية تتعلق بتهاونٍفي المواقف المتجاوبة مع الحقوق الفلسطينية في الدولة والهوية، كلما رافق ذلك انتشار مكثف في الحديث عن الأساطير المتعلقة بالتوطين والوطن البديل ومخاطر التجنيس في الأردن، ليتكشَّفَ كلُّ ذلك عن مشاريع مشبوهة لإعادة ترتيب الأوضاع في الأردن باتجاه لا إصلاحي ومقاوم للحراك الشعبي الداعي للإصلاح والتغيير من جهة، وعن مشاريع ترحيلية جديدة للقضية الفلسطينية في سياقها الهوياتي التسووي من جهة أخرى، يُرادُ لها أن تحظى بالقبول عبر خلق حالة من الترهيب والترويع، في حال عدم القبول بها أو رفض التجاوب معها.

إن "أوسلو" على سبيل المثال قد أصبحت غير قادرة على الحفاظ على نظر الأردنيين من أصل فلسطيني متجها نحو غرب النهر، ونحو وهم تجسيد الهوية الفلسطينية في الضفة الغربية، بسبب استنزاف تلك الاتفاقية لكامل زخمها وقدرتها على ترحيل وتسويف وتَرَقُّب نتائج المفاوضات بعد ربع قرن من حوار الطرشان الماراثوني، وبعد أن لم يعد أمام هذه المفاوضات ما تقدِّمُه، وبالتالي بعد أن لم يعد أمام "أوسلو" بأكملها ما تُقَدِّمُه.

إن هذا يعني أن الثقافة العامة ستبدأ تتَّجِه نحو شرق الأردن للبحث عن الحلِّ الذي فُقِدَ في مشروع "الهوية الفلسطينية" البائس، وذلك في أَرْدَنَة المقاومة والثورة ومشروع التحرير برمته.. إلخ، اعتقادا بضرورة تأجيل مشروع الهوية لما بعد التحرير باعتبار ذاك هو الطريق الصحيح للتعاطي مع القضية الفلسطينية أصلا. ولكي لا يحصل ذلك، يُصار إلى إعادة اجترار الأساطير المعتادة التي تُرْعِبُ الجميع، وخاصة الشرق أردنيين، من مثل التوطين والوطن البديل والتجنيس.. إلخ، وذلك من قِبَلِ النظام الوظيفي وأبواقه ومخابراته وطابوره الخامس.. إلخ من الطرفين: "الأردنيون من أصول شرق أردنية"، و"الأردنيون من أصول غرب أردنية"، كي يتمَّ تلجيم الاندفاعة المتسارعة للثقافة الجديدة نحو الشرق ونحو إعادة إنتاج حالة وطنية وثورية ومقاوِمة في الأردن من جهة، وكي يتمَّ أيضا تلجيم الاندفاعة الحاصلة نحو الإصلاح والتغيير، كي تتوقف إن لم تتراجع أصلا من جهة أخرى.

وعندما يصبحُ الإصلاح مُلَجَّما بعد أن يكون قد تمَّ رهن تَحَقُّقِه بإعادة نظر الأردنيين من أصل فلسطيني نحو غرب النهر من جديد، وبعد أن يصبحَ نظر هؤلاء إلى الأردن بوصفه منطلقا للتحرير إذا أعيد إنتاجُه على هذا الأساس، نظرا مخيفا بعد أن يكون قد تمَّ النجاح في ربطه بأساطير مرعبة كالتوطين والوطن البديل والتجنيس.. إلخ، فإن هؤلاء المُحبطين اليائسين المرعوبين وهم الأردنيون ذوي الأصول الفلسطينية، يصبحون على أهبة الاستعداد النفسي والذهني والثقافي لتَقَبُّل أيِّ صيغة جديدة تعطيهم أيَّ أمل في أن نوعا من المفاوضات الجديدة في قوالب حلولٍ جديدة قد يوصل إلى نتيجة، فيؤثرون أيَّ صيغة قد تُلْقى عليهم، على أيِّ مخاطر من تلك أشرِبوها واعتبروها أكثر شرا وأشدَّ كارثية من إضاعة عقدين من الزمن في المحاولة والرهان على الشرعية الدولية وعلى المفاوضات والضغوطات.. إلخ.    

فيما يغدو من السهل الانتباه إلى عُلُوِّ نغمة النظام المغَرِّدَة باتجاه المواطنة والوطن الواحد والإصلاح الوهم.. إلخ، كلما كان الوضع يتطلب إعادة سحب الأعين التي راحت تتطلع غربا لتتطلع شرقا من جديد. وهكذا دواليك تستمر اللعبة إلى أن ينتبه الجميع إلى الخدعة التي وقعوا فيها ويرفضون هذه اللعبة ويقررون أن الأردن وطنهم ويجب أن يصلحوه ويغيروا نهجه السياسي، لأن هذا وحده هو الطريق الصحيح إلى تحرير أرضهم المحتلة. أما قبل أن يفكروا على هذا النحو، فليضيِّعوا وقتهم وعمرهم في الهراء الفارغ كما شاءوا.

إن هذا السياق هو ما تجيء عبره صفقة القرن، وما جاءت عبره قبلها صفقة أوسلو، وما سيجيءعبره ما سيخلفها غدا، وما سيخلف خلفاء خلفائِها بعد غدٍ(10)، إن لم نفق من أوهامنا ونؤسس لقضيتنا على قواعد راسخة من الوعي بالدور الوظيفي التاريخي للنظام الأردني منذ أن نشأت الدولة القطرية الأردنية عام 1921 وحتى يومنا هذا.

إن أساطير "الوطن البديل" و"التوطين" و"التجنيس"، وأوهام "الهويات المقدسة"، كانت وستكون وستبقى هي دائما بَعابِعُ النظام لتمرير مثل تلك المشاريع الترحيلية عندما يُراد صرفُ نظر الجميع عن أيِّ عملية تغيير شرق النهر، قد تؤسِّس لعملية التحرير غرب النهر. والجَعْجَعَة المُفَرَّغة من أيِّ طحنٍ، كانت وما تزال وستبقى هي دَيْدَنُ المعارضين والحراكيين والسياسيين الأردنيين، ما لم يقولوا جميعا وبأعلى صوتهم:

إن بداية إعادة إنتاج الدولة الأردنية على قواعد غير وظيفية، وغير تبعية، لتحريرها من الفساد والاستبداد والظلم، وتأهيلها من ثمَّ لاحتضان مشروعِ التحرير، تكمنُ في العودة الفورية وغير المشروطة وبلا تَحَفُّظ عن "قرار فك الارتباط"(11)، تمهيدا لإسقاط "أوسلو" و"وادي عربة"، والبدء من جديد من الخندق الصحيح ألا وهو خندق "التغيير المجتمعي + مقاومة الصهيونية" باعتبارهما قضية واحدة لا يقوم شقها الأول بدون قيام شقها الثاني معه وفي نفس الوقت، وهذا ما وجد النظام الأردني منذ وُجِد ليعمل على أن يبقى خندقا مردوما لا يتخندق فيه أحد، وليتوزعوا بعد ذلك كما شاءوا في خندقين مفصولين أحدهما يتخندق فيه سعاة "التغيير المجتمعي"، والثاني يتخندق فيه سعاة "مقاومة الصهيونية"، فيفشلون جميعا، والساحة أمامنا منذ سبعين عاما فلنحسن قراءة ما دار وما يدور فيها.

الهوامش:

1 –يعتبر مؤتمر أريحا الذي عقد عام 1948 بعد احتلال معظم الراضي الفلسطينية، محطة مفصلية في تاريخ العلاقة بين الهويتين الأردنية والفلسطينية، وهو مؤتمر تداعت له وجاهات من أهالي الأراضي الفلسطينية التي بقيت خارج الاحتلال الصهيوني وتحت سيطرة الجيش الأردني بعد حرب 1948، وأعلنت موافقتها على السلطة الهاشمية على الأراضي الفلسطينية.

2 –صدر قانون التجنيس عام 1949، أي بعد إعلان وحدة الضفتين في دولة جديدة تتطلب جنسية جديدة يتم التأسيس لها.

3 –تطورَ مُسمى الأردن منذ انتدابها وحتى الاستقلال من "إمارة شرق الأردن"، إلى "المملكة الهاشمية لشرق الأردن"، إلى أن استقر اسمها على "المملكة الأردنية الهاشمية" بعد إعلان وحدة الضفتين. فالمسمى الحالي للدولة الأردنية ليس هو مسماها الأصلي، وإنما هو ذلك المسمى الناتج عن مخرجات مؤتمر أريحا.

4 – يعتبر دستور المملكة الأردنية لعام 1952، واحدا من أهم وأنضج الدساتير العربية فهو كان يؤسس لملكية دستورية برلمانية إلى حد بعيد. ومن المفارقات أن أحد أهم مطالب الحراك الأردني الحالي هو العودة إلى دستور عام 1952. ولقد تعرض هذا الدستور إلى عدد كبير من التعديلات الدستورية ناهزت الـ 30 تعديلا، كانت كلها تتجه نحو نزع حقوق الشعب في ممارسته للسلطة ووضع تلك السلطة وتركيزها في يد الملك.

5 –تأسست أول حكومة برلمانية أردنية منتخبة بشكل ديمقراطي ومكونة من أحزاب قومية ويسارية عام 1956 بعد الانتخابات العامة التي أجريت في ذلك العام بموجب دستور عام 1952، وقد شكلها "سليمان النابلسي"، بعد أن حصلت الأحزاب المذكورة على غالبية مقاعد البرلمان. إلا أن الملك حسين بالتحالف مع الإخوان المسلمين أسقط هذه الحكومة وحل البرلمان الذي انتخبها واعلن الأحكام العرفية.

6 –انطلقت ثورة الأردنيين في الأول من يناير عام 1965، بقيام حركة فتح بأولى عملياتها ضد الاحتلال الإسرائيلي. إلا أن هذه الثورة تمت سرقتها من قبل نظام الملك حسين، ليهديها إلى منظمة التحرير عام 1969، في سياق لعبة "ليغو الهويات" التي كانت تهدف إلى إنقاذ نظامه المتهاوي في تلك الحقبة، بأن أنقذ نفسه من السقوط، وعاد إلى الحياة بتحويل ثورة الأردنيين من ثورة أردنية تنازعه على السلطة، إلى ثورة فلسطينية تنازع الشعب الأردني والهوية الأردنية على السيادة، فسقطت وفشلت

7 –السبب في أننا نطلق اسم "مجزرة" على أحداث أيلول هو أنها استهدفت فضلا عن المقاومة، المدنيين في المخيمات بلا تفريق بين حامل سلاح وغير حامل للسلاح.

8 –"الليغو" عبارة عن لعبة تُعْني بتركيب جسم معين من قطع متناثرة، أو تغيير تركيب القطع بترتيب مختلف ليظهر جسم آخر مختلف، وكأن ما يحدث على صعيد تبادل الأدوار الوظيفية بين الهويتين الأردنية والفلسطينية يشبه لعبة "الليغو".

9 – "الكومبرادور" في الأصل كلمة برتغالية تعني "البائع"، ولكنها أصبحت بعد استخدام الأبيات اليسارية لها بشكل كبير تعني الطبقات الاقتصادية المحلية التي لا تهتم بالتنمية المحققة للقوة وللاستقلال الوطنيين، بل تهتم فقط بمصالح تلك الفئة تحديدا حتى بدعم كل مظاهر الاقتصاد الطفيلي التجاري التي تعزز مواقعها الاقتصادية الخاصة على حساب باقي فئات الشعب عبر ارتباطاتها التبعية بالخارج.

10 –لمزيد من التفاصيل بهذا الخصوص يراجع الفصل الثاني عشر من كتاب "سيكولوجيا المحارب الإسرائيلي – هكذا يفكرون، هكذا يستعدون، تأليف أسامة عكنان، منشورات "دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع"، الطبعة الأولى، عام 2007، من ص 115 إلى ص 143.

11 – إن قرار فك الارتباط القانوني والإداري بالضفة هو ذلك القرار الذي اتُّخِذ من قبل الملك حسين في 30 تموز عام 1988، يراجع بخصوصه:

أ - بقلم المحامي علاء العثامنة، مقال بعنوان "فك الارتباط تعليمات تنمو في الغرف المغلقة"، بتاريخ 23/7/2009، عن موقع مدونة حلمي الأسمر.

ب - من موقع "دنيا الوطن"، عن ندوة بعنوان: "قرار فك الارتباط بين ضفتي نهر الأردن سياسي وغير دستوري"، بتاريخ 28/2/2008.

ج - من موقع "كل الأردن" عن مقال بعنوان "إلغاء قرار فك الارتباط وعودة الضفة الغربية"، بقلم "خالد المجالي"، بتاريخ 23/5/2011.

د - من موقع "البوصلة"، من مقال بعنوان: "الاعتباط في دسترة فك الارتباط"، بقلم: د. خالد سليمان، بتاريخ: 31/5/2011.

اقرأ أيضا..