في مواجهة محرمي الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
21 تشرين2 2018 136

كلام أكثر صراحة

في مواجهة محرمي الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

محمد دومي

عتمد بعض المسلمين ممن لا يروق لهم احتفال جماهير أهل الإسلام- مشرقا ومغربا- بالمولد النبوي الشريف على فتوى فقيه مالكي، هو تاج الدين الفاكهاني (654 - 734 هـ / 1256 - 1334 م) حيث ذكرها السيوطي في رسالته الموسومة بـ: "حسن المقصد في عمل المولد" والتي طبعت أكثر من مرة وعليها في بعضها تحقيقات علمية نفيسة.

فتوىالفاكهانيهذه ضَمَّنَهَا رسالةً صغيرة سماها: "المورد في الكلام على عمل المولد"،تشتمل على صفحات بعدد أصابع اليد الواحدة، اهتم بها الوهابية اهتماما كبيرا وأعطوها من القيمة أكثر مما تستحق. من ذلك مثلا أنهم طبعوها في مجلد ضخم إلى جانب رسائل أخرى (مجموعها سبع رسائل) من نفس المحتوى والتوجه تحت عنوان: "رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي"(1)،حيثطبعت مع بعض تحقيق لها ضمن الصفحات 8-14، أي أنها لم تستغرق في هذا المجلد سوى صفحات ست. وطبعت مستقلة في صورة مطوية استغرقت أربع صفحات... وقد سردها السيوطي كاملة في كتابه آنف الذكر حيث استغرقت ثلاث (03) صفحات منه، ثم رد عليها ردودا علمية نفيسة، نقطة نقطة. لكن الوهابية تجاهلوا ردود السيوطي وراحوا يرفعون من شأنهاضمن حججهم في الحكم على بدعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف...

العقدة من رسول الله: على أني أبادر إلى القول سريعا أن عنوان كتاب الرسائل هذا يخلو من وصف "الشريف" للمولد النبوي. فكأن مولد الرسول صلى الله عليه وآلهوسلم هو نفسه مولدي أنا... تماما كما ينكرون أن تكون المدينة "منورة" بمقدم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إليها، ويقولون عوضا عنها "مدينة النبي".

لا نريد أن نشير اليوم إلى "الثقب العلمية"- على كثرتها وكبرها-التي تعتري هذا المنطق الفتوائي، فقد أشرت إلى بعض منها في مقالي الذي نشر الأسبوع الماضي في هذه الصفحة، بل سأشير إلى المنطق الانتقائي والخلفيات السياسية لمثل هذه الفتوى الدينية..

1/المنطق الانتقائي لا تقوم به إلا عقلية دوغمائية (DOGMATIQUE)، منغلقة، متكلسة، متحجرة، تختار بدقة ما يناسبها، وتلغي أو تؤول ما لا يناسبها. وفي ذلك كله جناية في حق العلم والحقيقة. لندخل الآن في التبيين والتوضيح.

تاج الدين الفاكهاني المالكي له رسالة سماها "التحفة المختارة في الرد على منكر الزيارة"، أشار إليها السيوطي في كتابه السالف"حسن المقصد في عمل المولد"، وسردها كاملة، كما أشار إليها الإمام ابن فرحون المالكي في كتابه "الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب"، والمعروف أيضا بــ "طبقات المالكية" في ترجمته للفاكهاني(2). يقول ابن فرحون: "وأخبرني جمال الدين عبد الله بن محمد بن علي بن أحمد بن حديدة الأنصاري المحدث، أحد الصوفية بخانقاه سعيد السعداء في سنة ثمان وسبعين وسبعمائة قال: رحلنا مع شيخنا تاج الدين الفاكهاني إلى دمشق، فقصد زيارة نعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بدار الحديث الأشرفية بدمشق، وكنت معه، فلما رأى النعل المكرمة حسر عن رأسه، وجعل يقبله ويمرغ وجهه عليه ودموعه تسيل، وأنشد:

فلو قيل للمجنون: ليلى ووصلها *** تريد، أم الدنيا وما في طواياها؟!

لقال: غبــار مـن تــراب نعالهــــا *** أحـب إلـى نفسـي وأشفـى لبلواهـــــا"(3)

دعنا نضع ثلاثة خطوط حمراء ، لا خطا واحد، على الكلمات المفتاحية التالية، وهي بالغة القيمة العلمية من حيث أن القوم يأخذون دينهم من قبوري مشرك، حسب توصيفاتهم وتصنيفاتهم للناس: رحلنا، فقصد(والكلمتان بمعنى شد الرحال المنبوذ سلفيا)، زيارة، نعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، النعل المكرمة، حسر عن رأسه، وجعل يقبله ويمرغ وجهه عليه ودموعه تسيل، وأنشد... ولا أتصور أحدا من القراء الكرام تخفى عليه هذه الدلالات....

أقول: قصة الفاكهاني هذه أشار إلى قريب منها كذلك تاج الدين السبكي حدثت في نفس دار الحديث الأشرفية، فما بين القصتين 36 سنة.. ذكر التاج السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" عن والده تقي الدين السبكي: "لما سكن في قاعة دار الحديث الأشرفية في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة كان يخرج في الليل إلى إيوانها ليتهجد تجاه الأثر الشريف، ويمرغ وجهه على البساط، وهذا البساط من زمن الأشرف الواقف، وعليه اسمه، وكان النووي يجلس عليه وقت الدرس، فأنشدني الوالد لنفسه:

وفي دار الحديث لطيف معنى***  على بُسْطٍ لها أصبو وآوي

عسى أني أمس بحر وجهي *** مكانا مسه قدم النواوي"(4)

وهنا أيضا أحب أن أحيل القارئ الكريم إلى الكلمات المفتاحية ذات الدلالات العقيدية العالية: "يتهجد تجاه الأثر الشريف"، "ويمرغ وجهه على البساط". إن هذا "الأثر الشريف" بتعبير السبكي الابن هو "لطيف معنى" عند السبكي الأب، وهو عند المؤرخين والمحققين "نعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم" التي كانت محفوظة في دار الحديث الأشرفية بدمشق، والتي وصفها ابن فرحون المالكي في نصه السابق بــ "المكرمة".

السؤال المقلق عند السلفية هو: لماذا تأخذون فتوى عملية- مهما قيل في قيمتها العلمية والتحقيقية- من عالم "قبوري مشرك"؟... إن مظهر هذا القلق المعرفي والنفسي هو في الإجابة عن السؤال: أيهما أصل وأيهما فرع؟. بمعنى أوضح وأصرح: هل الفرع (الفقه) هو الذي يتحكم في الأصل (العقيدة) أم العكس؟... لكن الواضح أن الأصل (المعتقد) هو الذي يتحكم في الفرع (الفقه)، فكيف سمحتم لأنفسكم بأن تأخذوا فتوى فقهية (عملية) من عالم "قبوري مشرك"    (عقيدة)؟.

2/الخلفيات السياسية:وهنا يمكن الإشارة إلى بعض الحالات

الحالة الأولى:إن فتوى منع المرأة من سياقة السيارة بحجج واهية لا وجود فيها للشرع، بل الشرع على خلافها، والتي دامت ما يقرب من تسعين سنة، ها هي اليوم تصبح أثرا بعد عين. فما هو إلا أن قرر ولي العهد والحاكم الفعلي في المملكة العربية السعودية إصلاحاته، والتي منها إعطاء المرأة حق سياقة السيارة، حتى تغيرت الفتوى الدينية من الحرمة إلى الجواز... والسؤال المقلق هنا أيضا: هل نحن أمام دين واحد أم أننا أمام دينين؟؟؟

لذلك قلت، وأقول، وسأبقى أقول: إن الفتوى الدينية عند هؤلاء متأخرة رتبة وزمانا عن الفتوى السياسية. فهي تدور مداره حيث دار. لذلك علينا أن ننتظر تغير الخط السياسي في المملكة العربية السعودية لنرى تغير الفتوى الدينية.

الحالة الثانية:أين القول ببدعية الألقاب والأوصاف التيأطلقت على حكام المملكة، والتي منها مثلا: خادم الحرمين الشريفين، صاحب السمو، صاحب الجلالة، الخ...؟. هل عرفها رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم؟؟..

الحالة الثالثة: في الثالث والعشرين من شهر سبتمبر من كل عام تحتفل المملكة العربية السعوديةبذكرى تأسيس المملكة.لا أريد أن أشير هنا إلى المحرمات والموبقات التي ترتكب ساعتها، ولا إلى المليارات من الدولارات التي تبذر في المملكة وفي سفاراتها بالخارج، بل أريد أن أشير إلى أصل المسألة: أيجوز الاحتفال بذكرى تأسيس المملكة، ولا يجوز الاحتفال بــ "ذكرى تأسيس الإسلام"؟؟..

الحالة الرابعة: ثمة بدعتان كبيرتان لا يريد حراس المعبد أن يتعرضوا لهما:

أولاهما تتعلق بتوريث السلطة الزمنية، أي الحكم، والثانية تتعلق بتوريث السلطة الروحية، أي الدين.

الأولى عرفتها الشعوب في مختلف مراحل التاريخ، العربية وغيرها. لكن الغربيين تمكنوا بفعل نظريات العقد الاجتماعي (توماس هوبز، جون لوك، باروخسبينوزا، جان جاك روسو) من تقليص أظافر أسرهم المالكة فتحولت إلى ملكيات دستورية، لكن الأسر المالكة والحاكمة لا زالت في السعودية ودول الجوار تملك وتحكم، بلا أي مستند شرعي من كتاب وسنة، بل الكتاب والسنة على الضد تماما من توريث الحكم. والفرق بين "الخلافة الراشدة" و"الملك العضوض" واضحة في الإرث النبوي. فأين هي الفتوى الدينية ببدعية توريث الحكم؟؟؟ يمكن هنا- على سبيل الاستئناس- العودة إلى كتاب العالم الباكستاني الشهير، الأستاذ أبو الأعلى المودودي رحمه الله.

الثانية، وهي سعودية خالصة بامتياز لا تشاركها فيها غيرها من الشعوب، لا من الأولين ولا من الأخيرين. وهي توريث منصب المفتي.. فهل عقرت أرحام حرائر الجزيرة عن أن تنجبن علماء وفقهاء ومجتهدين من خارج أسرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب؟؟؟ هب أن فلانا ثبتت أعلميته في علوم الدين، لم لا يكون هو المفتي؟. فأين هي الفتوى الدينية ببدعية توريث منصب المفتي؟؟

هي ذي حالات أربع، وغيرها كثير، لو أن فقهاء منع الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعرضوا لها علميا لأراحوا واستراحوا، ولكان كلامهم أكثر صدقية.

الهوامش

(1) رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي، لمجوعة من العلماء، طبع دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، 1419هـ، 1998م.

(2)الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لابن فرحون المالكي، تحقيق وتعليق الدكتور محمد الأحمدي أبو النور، مدرس الحديث بجامعة الأزهر، دار التراث للطبع والنشر، القاهرة، الجزء 2، من اسمه عمر، من الطبقة الخامسة، من العراق...، ترجمة رقم 4، ص81..

(3) الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، م. س، ص81. وتجده أيضا في نفس الكتاب، دراسة وتحقيق مأمون بن محي الدين الجنان، دار الكتب العلمية، بيروت، ترجمة رقم 370، ص 286-287..

(4) طبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، تحقيق عبد الفتاح الحلو، ومحمود محمد الطناحي، دار إحياء الكتب العربية، الطبقة السادسة، فيمن توفي بين الستمائة والسبعمائة، الجزء الثامن،  ترجمة 1288، ص 396.

اقرأ أيضا..