المناضل السياسي الدكتور ابن سالم عيسى1895م/1969م
30 تشرين1 2018 106

تاريخ رجل مغمور

المناضل السياسي الدكتور ابن سالم عيسى1895م/1969م

بقلم: محمد بسكر

إذا تحدثنا عن نشاط "حركة أحباب البيان والحرية"،الحزب السياسي الذي كان يتزعمه السيد" فرحات عباس "، فإنّه لا يفوتنا التعريج بالحديث عن المناضل السياسي الدكتور " عيسى بن سالم "، الذي يعتبر من الشخصيات البارزة التي أثبتتكفاءتها في العمل الاجتماعي والسياسي، ويكفي أنّه اكتسب ثقة رئيس الحزب، فكان يعتمد عليه في تنظيم وتأطير الحركة الوطنية بمنطقة برج بوعريريج والحضنة الغربية، وأحد رجاله في جميع المنافسات الانتخابية بين سنة 1937/1954، والدكتور " ابن سالم " المنحدر من عائلة متجذرة الوجود في بلدة بوسعادة، لم يكن له أي نشاط يُذكر فيها، ومع ذلك فهو في ثقافته وتكوينه الفكري،ابن بيئته ومجتمعه الذي قدّم وجوها سياسية بارزة في النضال الوطني.

الجذور والأصول

ينتمي السّيد "عيسى ابن سالم" إلى أسرة عريقة في نضالها الثقافي ونشاطها السياسي، قدّمت عبر تاريخها ثبتا من الأسماء العلمية والاجتماعية في منطقة بوسعادة، تعرض سلفها بعد ثورة المقراني سنة 1871م إلى مضايقات من الاحتلال، فقد انتهجت فرنسيا سياسة معاقبة الأسر التي أحست بأنّها تعاونت معها وأيدتها، تمثلت في مصادرة الاموال والتهجير القسري وفرض الأتوات والضرائب المرهقة، وكانت سياسة الاحتلال في هذه المرحلة تتمثل في القضاء على نفوذ العائلات الكبيرة، ذات المكانة والتأثير بعد أن فشلت في استمالت أفرادها، وضّح هذه الفكرة المؤلف الفرنسي "louis rinn "، وأكد بأنّ رؤساء هذه العائلات لم يريدوا أن يفهموا أنّهم ينبغي أن يكونوا في خدمة السلطة الفرنسية. لقد اعتقل الاحتلال - بعد اخماده انتفاضة "سعيد بوداود" سنة 1871م شمال بوسعادة - عشرة من أصحاب النفوذ من بلدتي بوسعادة والديس، حامت حولهم الشبهة بأنّهم مناوئين للاستعمار،  وممن طالهم الظلم وتمّتجريدهم من جميع ثرواتهم أسرة ( آل ابن سالم)، فقد حاز الاحتلال ممتلكاتهم سنة 1872م، وبعد ست سنوات وبتاريخ 15 أفريل1878م، تقدّم أفراد الأسرة بشكوى إلى الحاكم العام، وضّحوا فيها الغبن الذي لحقهم، وطالبوه بإرجاع ممتلكات والدهم، ومّما جاء فيها:« كما يطلب منك أولاد سيدي عبد القادر، أن ترد عليهم ملك أبيهم، الذي حازته الدولة، لكون أباهم لم يكن صاحب جرم ولا ذنب، ولا فعل شيئا أبدا، وأولاده: عبد الله، وابن الحاج، ومحمد، وابن سالم، وعبد القادر، وعبد الرحمن، وكلّهم صغار »، لا نعرف هل أعاد لهم الاحتلال ممتلكاتهم أو جزءا منها، والظاهر أنّه رد لهم جزءا منها، كما فعل مع عائلة الثائر "محمد بن شبيرة". لا توجد معلومات تبين مصير والدهم ( سي عبد القادر بن سالم ) ، بينما تتوفر بعض المعلومات عن ابنه السّيد " عبد القادر بن عبد القادر"، خريج مدرسة الجزائر الرسمية، عمل في القضاء بالمحكمة الشرعية مدّة، وحسب التقارير الفرنسية فإنّه كان فقيها متضلعا في العلوم الشرعية، وأنّه اشتغل مترجما في الجيش الفرنسي في بعثة (مينار) بساحل العاج سنة 1891م وتوفي هناك بسبب الملاريا، فهل تمّ تجنيده بالقوّة، وأرسل إلى هذه المنطقة ليلقى مصيره هناك ؟ أم أنّ ظروف العيش والاحتياج دفعته إلى هذه الوظيفة ليجنّب عائلته مضايقات المحتل ؟

نبغ من هذه الأسرة - نهاية القرن التاسع عشر- شقيقه " بلحاج بن عبد القادر بن محمد"، المدرس بزاوية طولقة، ثم بمدرسة "شالون" ببوسعادة، وصف السّيد " ديستان" الفرنسي دروسه في تقريره السنوي عن التعليم بالجزائر لسنة (1910/1912) بقوله: « بلحاج يدرس التوحيد والأدب والبلاغة والحساب والنحو والمنطق والفقه »، وخلفه ابنه " عبد الله بلحاج "، مفتي بلدة بوسعادة بلا منازع في الأربعينيات من القرن العشرين وإلى غاية مطلع الستينات منه، له باع في فنون كثيرة، كاللّغة والنحو والفقه، قال في شأنه تلميذه " محمد شكيمي" :« كان في تدريسه عجيبا، لا يترك واردة ولا شاردة من الفروع الفقهية إلّا آتى عليها، مع استحضارٍ لكلام الفقهاء على المذاهب الأربعة ».

إنّ جذور هذه العائلة تمتد إلى سليمان بن ربيعة البوزيدي، الإمام الأول للجامع العتيق،  وصاحب الزاوية التي استقطبت أبناء القبائل الهلالية وغيرها النازلة قريبا من بوسعادة قبل تأسيسها، فهي أسرة معروفة القدر، مرفوعة الجناب، يشهد لها أهل البلدة بدورها العلمي، ويكفي شهادة محمد بن عبد الرحمن الديسي في رسالته إلى عبد الله بلحاج بن سالم، حيث خاطبه بقوله: « نخبة الشرفاء، وأوحد الفضلاء والعلماء، ولدنا العزيز المنور بنور المعارف وأسرار اللّطائف، الشاب النّجيب الحسيب النّسيب، السّيد عبد الله بن السّيد أبي الحاح »، ثمّ عقب قائلا: « فإنّكم بيت شرف وعلم، والجمع بين النسبتين نور على نور ».

لمحة تاريخية عن النشأة والدراسة

ولد الدكتور "عيسى بن سالم " ببوسعادة سنة 1895م، فوالده هو السيد ( ابن سالم عبد القادر)، وأمه خيرة بنت علي بن السنوسي، أحد شيوخ العلم ومدرس القراءات بها نهاية القرن التاسع عشر، أخذ الدكتور عيسى نصيبه من التعليم بالمدرسة الفرنسية  "شالون" بداية من سنة 1902م، وهي مدرسة خرّجت اطارات سياسية وتربوية هامّة، أمثال الرئيس محمد بوضياف، ووزير التربية والتعليم مصطفى لطرش، والسيد بوعزيز المختار عضو فيدرالية الكشافة الإسلامية الجزائرية المؤقتة، التي ترأسها محمد بوراس، والسيد صالح شويخ، المدعو " غاندىالبوسعادي " أحد الأعضاء المؤسّسين للمكتب الوطني لحركة "نجم شمال افريقيا " بتاريخ 2جويلية سنة 1926م، والذي كان رئيسها الحاج علي عبد القادر(من غليزان).

كان من أساتذة الدكتور "عيسى بن سالم" أبرز النخب المثقفة ببوسعادة أمثال: ابنشنوف علي، وشميسة محمد بن جريدي، وعطية بيوض، واستطاع بفضل عائلته المتسمة بالارتياح المادي، أن يكمل تحصيله الثانوي بالجزائر العاصمة بثانوية "بيجو"، ونجح بتفوق في شهادة البكالوريا شعبة الرياضيات، ولم يفلح في الالتحاق بالمدرسة المتعددة التقنيات بفرنسا بسبب أنّه غير متجنس بالجنسية الفرنسية، فالتحق بكلية الطب، التي تخرج منها بشهادة الدكتوراه بتاريخ 5جويلية1921م، عمل في مستشفى العاصمة ما بين سنة 1923 /1924م، وافتتح  بعدها عيادة طبية له ببلدة برج بوعريريج سنة 1928م.

نضاله السياسي

ظروف عمله جعلته يستقر نهائيا ببلدة برج بوعريريج، ونشط هناك في المجال الرياضي والاجتماعي والثقافي، فساهم في تكوين فريق كرة القدم المحلي سنة 1930م، كما شارك في المؤتمر الإسلامي للطلبة المسلمين الجزائريين سنة 1936م .

استطاع " عيسى بن سالم" في الفترة الممتدة من سنة 1937م إلى غاية سنة 1954م أن يكون المرشح الوحيد لمنطقة البرج والحضنة الغربية في الانتخابات النيابية، مثَّلَ حزب الاتحاد الشعبي الجزائريUPA" " لفرحات عباس سنة 1938م ، ثم ترشح باسم الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري "UDMA" سنة 1946م، وفي غياب أي منافسة سياسية من قبل حزب الشعب أو بقية التيارات السياسية، أصبح الشخصية الأساسية التي يعتمد عليها الأهالي في إيصال أصواتهم والمطالبة بحقوقهم أمام الإدارة في مختلف الانتخابات المحلية والجهوية، ففي انتخابات سنة 1945/1946م المتعلقة بالمجلس الجزائري، الخاصة بمنطقة المسيلة، ترشح الدكتور " عيسى بن سالم " عن " الحزب الراديكالي الاجتماعي "، ينافسه السيد "آخروف الطاهر" كمترشح مستقل، والسيد " ابن الذيب عبد القادر" مترشح عن الادارة ، والسيد " شاكر بلقاسم " عن الحزب الشيوعي الجزائري، واسفرت النتائج عن فوزه بـ " 2130 " صوتا، وفي إطار الدعاية للاتحاد الديمقراطي حضر تجمعا للحزب بالمسيلة، لتشكيل الخلية الأولى له بتاريخ 8 ديسمبر 1947م، وألقى خطابا بيّن فيه خطط الحزب وبرنامجه، وقدَّمَ عرضا على السياسة الاستعمارية وأهدافها، وأعلن صراحة رفضه التّام لسياسة الادماج، وسياسة فرنسا في التفريق بين السكان والدواوير، وفي شهر أفريل من سنة 1948م أجرت الادارة الفرنسية الانتخابات البرلمانية لتكوين المجلس الجزائري، وكانت ثقة أهالي برج بوعريريج وسكان الحضنة الغربية به قوية، فقد جربوا فيه الحزم، وبُعد النظر، والرّؤية السياسية الثابتة، وإخلاصه في خدمة أفراد مجتمعه، فمَكَنته أصواتهم من الفوز بمقعد بمجلس الجمعية الجزائرية المكونة من 120 عضوا، والمقسمة بين الأهالي والفرنسيين، 60 مقعدا للمسلمين تمثل عدد الجزائريين البالغ آنذاك 9 ملايين، و60 مقعدا للمعمرين الفرنسيين الممثلين لمليون فرنسي، وفي سنة 1950م عُين الدكتور " عيسى بن سالم " نائبا لرئيس الجمعية الجزائرية، وبقي في منصبه يدافع عن حقوق الجزائريين إلى غاية سنة 1955م حيث قدّم استقالته، فكان من النّواب الذين« استقالوا دفعة واحدة من المجلس، بعد أن لم يعودوا يمثلون إلّا أنفسهم».

عاد الدكتور " عيسى بن سالم " إلى مزاولة مهنة الطّب ونشاطه السياسي المعهود ببلدة برج بوعريريج ، وعمل سرًا  مع جبهة التحرير الوطني، حيث كان يعالج المرضى والجرحى من أفرد الجيش الوطني ليلا، ونتيجة للمضايقات التي حدثت له من الاحتلال، انتقل إلى تونس واستقرّ بعائلته بها سنة 1956م حيث مارس الطب في مستشفى " الحبيب ثامر" إلى انتهاء الثورة، وقد ورث عنه نجله ( الطبيب جمال بن سالم ) نفس الهمّة والاندفاع في العمل السياسي، وكان يتمتع بثقافة واسعة اكتسبها من محيطه الذي نشأ فيه، وامتهن الطّب كوالده، درسه في فرنسا، ونشط هناك ضمن الاتحاد العام للطلبة الذي كان يترأسه " محمد خميستي " في مونبيلييه، وبعد عودته من فرنسا تعلم مبادئ الجراحة بمدينة برج بوعريريج سنة 1955م. التحق بوالديه بمنطقة سيدي بوسعيد بتونس على ظهر سفينة من مرسيليا، نهاية شهر ديسمبر1956م، وانضم إلى جبهة وجيش التحرير الوطني التي كان يمثلها " أحمد محساس "، والمشرف على الطّب بها الدكتور " محمد نقاش".

لقد قام الأطباء الجزائريون بالمساعدة في سد الفراغ الذي تركه الأطباء الفرنسيون بعد انسحابهم من مستشفيات تونس، ومارس الدكتور "جمال بن سالم"  أثناء إقامته بها الطب مع الدكتور " العقبي " في مستشفى سوسة، ثم بالعاصمة التونسية، وفي تونس العاصمة التقى بالعقيد عميروش، الذي كلّفه بالالتحاق بالولاية الثالثة، فانتقل إليها وعمل طبيبا تابعا لجيش التحرير الوطني في المنطقة الثالثة.

استطاع المرحوم "جمال بن عيسى" أن يسرد ذكرياته ونضاله السياسي والثوري في كتابه " انظروا أسلحتنا! انظروا أطباءنا ! "،الذي نشرته المؤسسة الوطنية للكتاب بالجزائر  سنة 1985م، أبرز فيه الدّور الأساسي الذي قام به الأطباء الجزائريون، وطلاب الجامعات الذين التحقوا بالثورة لمداواة وعلاج أفراد الجيش الوطني، في مناطق مجهولة وظروف صعبة، ليتقاسموا النضال إلى جانب أهل الريف ضد العدو الفرنسي الغاشم،  واستعان الدكتور في استحضار ذكرياته بعناصر من جيش التحرير الأحياء خصوصا سي حميمي (حامد دهيل)، وهو يَعتبر كتابه هذا من نوع ( الكشكول)، أو ثبتا للأحداث التي عاشها بين 1954/1962م.

للموضوع مصادره

اقرأ أيضا..