05 جويلية، ورحلة البحث عن الهوية!
04 تموز 2019 202

05 جويلية، ورحلة البحث عن الهوية!

بقلم د.بوعلام بطاطاش

 

يقول أمين معلوف: الهوية لا تتجزأ أبدا ولا تتوزع أنصافا أو أثلاثا أو مناطق منفصلة.

 

في الوقت الذي تحيي فيه الجزائر الذكرى السابعة والخمسين لاستقلال الجزائر، وعوض أن نعدّد الإنجازات التي حقّقتها الجزائر على المستويين المحلي والعالمي، نجد أنفسنا نعدّد مظاهر الفساد الذي استفشى في جسد هذه البلاد الجميلة، من قبل أشخاص خانوا الأمانة التي وضعت بن أيديهم، حيث وضعوا مصلحتهم الشخصية قبل مصلحة بلدهم، وساهموا بشكل مباشر في تحطيم اقتصادها خدمة لأجندات خارجية الهدف من ورائه استمرار هيمنتها الاقتصادية علينا بعد فشلها في استمرار هيمنتها السياسية.


لكن المؤسف في القضية أن عودة هذا التاريخ خلال هذه السنة تزامن مع محاولة تشويه صورة بعض الزعماء التاريخيين بسبب تصريحاتهم السياسية، وكأن الحقب التي مررنا فيها بعد الاستقلال تتشابه ولا تتغير على الرغم مما يشهده العالم من تطور وانفتاح على الغير بفعل التطور التكنولوجي الذي حطّم جميع قيود الاحتكار، حيث لم يعد العلم حبيس المدارس الخاصة والمعلومة رهينة في دهاليز وأقبية الأجهزة السرية.

لقد سبق للزعماء التاريخيين الذين ساهموا بشكل مباشر في تحرير البلاد من القوة الاستدمارية أن دفعوا ثمن مواقفهم الشجاعة فكان مصيرهم السجن أو الاغتيال، وشعباني وبوضياف وآيت أحمد ومفدي زكريا ما هي إلا رموز بسيطة عن حقبة السنين الأولى التي أتت بعد الاستقلال، لتشهد الجزائر فيما بعد نفيا أو تهميشا لكل معارض لنظام بومدين، ففرحات عباس، ومصالي الحاج وكريم بلقاسم وغيرهم ما هي إلا رموز تشهد على دور السلطة الستاليني في محو التاريخ الحقيقي، ومحاولة ترسيم تاريخ جديد مبني على الولاء للشخصيات التي كان بيدها القرار.

ثم تأتي حقبة أخرى من الزمن يحكم فيها جنرالات فرنسا قبضتهم على السلطة، حيث يغتالون بوضياف، ويدفعون أبواقهم لتخوين كل من مهري وآيت أحمد لمشاركتهما في لقاء سانت إجيديو. وعندما أمسك بوتفليقة الحكم، غيّبت جميع الشخصيات التاريخية بحيث أضحى الرجل الوحيد في الجزائر الذي يملك الماضي والحاضر وحتى المستقبل. 

فإن كنا لا نحتفي بصناع تاريخنا القريب، وننعتهم بالخونة في حياتهم، فكيف لنا أن نحتفي بزعمائنا الذين صدّوا هجمات الاستدماريين منذ آلاف السنين مدافعين عن وجود هذا البلد؟ وها هي الآن هذه الشرذمة من أشباه الساسة وأشباه المثقفين ينفخون سمومهم عبر صفحات الفايسبوك أو عبر جرائدهم التي لا يقرأها حتى صحفييها محاولين إشعال حريق برماد تحجّر منذ مئات السنين معتقدين أنهم سيصلوا إلى إحداث شرخ بين صفوف الشعب، ويحقّقوا ما لم تتمكن فرنسا بوسائلها المادية والدعائية تحقيقه من قبل.

لقد دأبنا منذ الاستقلال ومع كل أزمة تمرّ بها الجزائر أن يخرج أمثال هؤلاء البعثيين ليربطوا مشاكل الجزائر بالأمازيغية وهويتها، ويحاولوا نسج خيوط من أوهام عن علاقة الأمازيغية بالفرنسية، وبأن حربا ضروسا تعدّ ضد اللغة العربية ! فليعلم هؤلاء الأشخاص بأنه تتداول في العالم 6912 لغة، في حين هيمنت اللغة الإنجليزية على العلم، ليس لطبيعة تكوين حروفها أو قواعدها، بل لفكر وذكاء مستعمليها، لأن اللغة ما هي في الواقع إلا وسيلة تواصل لا أكثر، والعلم لا يتواجد في اللغة بل في الفكر، في حين تحمل اللغة في طياتها معالم الهوية الخفية، تلك الهوية التي يحاول البعض طمسها قدر الإمكان واستحداث هوية جديدة مبنية على العنصرية  والنفاق بدل سرد الواقع على حقيقته، والاعتزاز بماضيه على النحو الذي نشاهده مثلا في ألمانيا واليابان والصين ومعظم قبائل إفريقيا وأمريكا.

عندما قدم المسلمون إلى شمال إفريقيا ليس لنشر العربية، بل لنشر تعاليم الدين الإسلامي، وعندما ازدهرت العلوم في الدول الإسلامية، لم تسمى يوما بالحضارة العربية، بل الإسلامية، والأمازيغ عندما احتضنوهم، احتضنوا الإسلام واللغة التي كتب بها القرآن، لقد قبلوا بكتاب الله، لكن ذلك لا يعني أنهم تحوّلوا إلى عرب، والدليل على ذلك تمسكهم بلغتهم الأمازيغية بمختلف فروعها، اللغة الأم التي قبل أن تحفر خطوطها في صخور الآهقار منذ آلاف السنين حفرت في فكر أجيال عديدة متعاقبة، لكن للأسف، عوض أن نفتخر بتاريخنا، حاول الساسة منذ الاستقلال محوه لغاية وحيدة هي إحداث الفرقة بين مواطني بقاع الجزائر قصد الاستمرار في الإمساك بزمام الحكم وفقا لنظرية فرّق تسد، لكنهم لم ينجحوا في تحقيق مبتغاهم على الرغم من محاولاتهم البائسة في خلق نزاع مفتعل بين شرائح الوطن، وها هو حراك 22 فيفري يقضي على كل آمالهم وتتبخر معه أحلامهم في إحداث الشرخ بين أوساط الشعب، إذ نجدهم متمسكين بهويتهم الأمازيغية، ودينهم الإسلامي حيث لا فرق بين متحدث بالعربية والقبائلية والمزابية والشاوية والترقية والشلحية. إنها تجسّد ثراء ثقافتنا لا صداما وتفرقة على النحو الذي يريد البعض فرضه، فالهوية لست راية أو لباسا يمكن حظره أو مصادرته، وإنما قناعة راسخة يستحيل سجنها أو محوها. لقد وصل بالسلطة في نهاية السبعينيات من القرن الماضي أن حاولت قمع المطالبين بفك الحرية عن هويتنا، والنتيجة أنهم خلقوا بدل العشرات الآلاف إن لم نقل الملايين من المدافعين عن الهوية، لأن التاريخ لا يمكن تغييره، وحبره لا ينمحي بزلة قلم أو تقطيع ورقة أو تحريف كتاب، لأنه ملتصق بعروق جميع الجزائريين، متجذّر في عاداتهم وتقاليدهم، في لباسهم وبنائهم، ، في تفكيرهم وقصصهم ، في بطولاتهم وملاحمهم.

لقد حلّ 05 جويلية ببلادنا، فوجد شعبا متماسكا لا تفرّقه لا بروباغوندا السلطة المتساقطة ولا عنصرييها الذين يطبّلون لها، شعب موحّد همّه الحفاظ على أرض أجداده، وبناء دولة يعتز بماضيها وحاضرها، ويصبو إلى قيام جمهورية حقيقية يفتخر بها على نحو افتخاره بجيل نوفمبر الذي قهر القوة الاستدمارية بوحدته وعقيدته وبما حمله بيان نوفمبر من  رؤى استشرافية لمستقبل زاهر.

اقرأ أيضا..