د.بوعلام بطاطاش/أستاذ جامعي
د.بوعلام بطاطاش/أستاذ جامعي
07 أيار 2019 232

الجمهورية الثانية، المعالم والرؤى

بقلم د.بوعلام بطاطاش / أستاذ جامعي

عندما تحدّث ابن خلدون في مقدمته عن  دورة حياة الدول اختزلها في ستة مراحل حيث تقوم السلطة في المرحلة الأولى بالقضاء على معارضيها ومنتقديها، ثم تنتقل في المرحلة الثانية إلى فرض الحاكم الفعلي نفسه كقائد أوحد يقوم بعملية السيطرة الكاملة على مختلف مناطق نفوذه.

أما المرحلة الثالثة فيعمل فيها الحاكم على تحقيق الإنجازات التي تخلد ذكراه مشيّدا أبنية ضخمة ومنجزات عمرانية تترك بصمتها في التاريخ. بينما تتسم المرحلة الرابعة بالتوقف عن مسيرة التطور حيث تدور السلطة في حلقة التقليد، وتأتي المرحلة الخامسة حاملة معها بذور الفناء إذ يقوم الحاكم بهدر أموال الشعب في الإسراف والتبذير ويحيط نفسه بعصابة من المفسدين فيبتعد عنه حلفاءه لتصل الدولة بذلك إلى المرحلة السادسة أين تتفكك ثم تندثر.


لكن الملاحظ أن ابن خلدون قد أغفل أمرا مهما في مسار تطور الدول ألا وهو يقظة الشعب، إذ يمكن للأفراد أن ينتفضوا ضد حاكمهم قبل تلاشي الدولة، محاولين تأسيس نظام جديد مخالف لما كان معهودا حتى ينقذوا دولتهم من التفكك والاندثار، إذ شهد العالم تعرض العديد من الدول إلى أزمات في التسيير تؤدي إلى عدم قدرة أنظمتها السياسية القائمة على مواصلة العمل، عندئذ تقوم مجتمعاتها بعملية الانتقال من نظام سياسي إلى آخر محاولة تفادي الوصول إلى المرحلة الأخيرة من عمر دولها وذلك بإجراء تغيير جذري على نظام حكمها، ويطلق البعض على تلك العملية بقيام الجمهورية الثانية، ولفهم الموضوع أكثر سنستعرض على سبيل المثال مسار الجمهوريات الخمس التي مرّت بها فرنسا، إذ عرفت 03 ملكيات، وإمبراطوريتين وخمس جمهوريات، حيث ظهرت الأولى بعد نجاح الثورة الفرنسية سنة 1789.

الجمهورية الأولى: 1792 – 1804:

عرفت هذه الجمهورية ثلاثة أنواع من الحكم، المؤتمر الوطني الذي تولى شؤونه لجنة الإنقاذ الشعبي، ومجلس المدراء، والقنصلية. وانتهى حكمها بعد الانقلاب العسكري الذي قام به نابوليون الأول سنة 1804، وتحوّل فرنسا إلى إمبراطورية.

الجمهورية الثانية: 1848 – 1852:

نشأت على أعقاب الثورة الفرنسية 1848، واعتبرت جمهورية اشتراكية، حيث تمكّنت من إحداث الكثير من التعديلات على نظام الحكم كالاحتكام إلى الانتخابات وإلغاء العبودية، لكنه بعد تمكّن لويس نابوليون بونابارت من اعتلاء الحكم كرئيس، قام سنة 1851 بعملية انقلاب عسكري معيدا فرنسا إلى نظام الإمبراطورية.

الجمهورية الثالثة: 1870 – 1940:

وتعتبر أطول الجمهوريات زمنيا، جاءت بعد الهزيمة التي مني بها نابوليون الثالث سنة 1870، وعرفت صراعا إيديولوجيا عنيفا، وأزمات داخلية لم تخمد إلا بعد تأسيس جمهورية تمثيلية كانت تضم مختلف الانتهازيين. وانتهى حكمها بعد احتلال ألمانيا لفرنسا وقيام الماريشال بيتان بتأسيس ما سمي بالدولة الفرنسية.

الجمهورية الرابعة: 1946 – 1958:

ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، وشهدت صراعا بين مشروعين، أحدهما تبناه الشيوعيون والاشتراكيون، وكان ينادي بإقامة مجلس وطني واحد، ومشروع آخر تبناه ديغول، ويقوم على نظام البرلمان بمجلسين، ورئيس للجمهورية، فجاء رفض المجلس التأسيسي للمقترح الأول، وتبنى المجلس التأسيسي الثاني مقترح ديغول مع إضفاء بعض التعديلات عليه، حيث قلّص من صلاحيات رئيس الجمهورية المنتخب من قبل أعضاء البرلمان. لكن الأزمة الاقتصادية التي خلّفتها الحرب العالمية الثانية، وصراع الأحزاب الحاكمة فيما بينها جعل الحكومات تتساقط بسرعة خاصة مع اشتعال ثورة التحرير في الجزائر، إذ أجّجت الحرب صراع الأحزاب حول كيفية التعامل معها، وتفاقمت الأوضاع سنة 1958 الأمر الذي أدى برئيس المجلس آنذاك بيار فليمان بالاستقالة، وتنصيب ديغول مكانه.

الجمهورية الخامسة: 1958 – إلى يومنا هذا

أعاد ديغول مشروعه الذي قدّمه سنة 1946، وحضي بالموافقة حيث قلّص من صلاحيات المجلس الوطني، وتحوّلت مقاليد الحكم إلى رئيس الجمهورية الذي أصبح  الشعب ينتخبه بطريقة مباشرة.

نلاحظ من خلال ما سبق أن ظهور الجمهوريات في فرنسا يأتي دوما بعد نفاذ الحلول التي يقترحها النظام آنذاك اتجاه الأزمات التي يجابهها، فأحيانا يتحوّل طابع النظام بشكل كلي كأن ينتقل من الجمهوري إلى الإمبراطوري، أو أن تتغير مصادر القوة بين السلطات مع تغيّر آليات تنصيبها.

بالنسبة للنظام الجزائري حدث هناك انحراف كبير للمسار الديمقراطي مع الأيام الأولى للاستقلال، فالمجلس التأسيسي الذي أنشأ مع الاستقلال لوضع دستور للجزائر لاحظ صلاحياته تتلاشى بعد أن قام بن بلة بإعطاء الضوء الأخضر للمكتب السياسي للحزب لمناقشة وتقويم مشروع الدستور، وعرضه على المجلس التأسيسي للتصويت عليه، ثم تقديمه للاستفتاء الشعبي في سبتمبر 1963، وإصداره في 08 سبتمبر 1963، فالأصل أن المجلس التأسيسي هو الذي يناقش ويقوّم مشروع الدستور، خاصة وأنه يضم رجال السياسة والقانون، وهذا ما دفع بالكثير من الشخصيات المعروفة لتقديم استقالتها من المجلس أمثال حسين آيت أحمد وفرحات عباس. وبعد الانقلاب العسكري الذي قام به بومدين سنة 1965 تمّ تعطيل العمل بالدستور، واستمرّ الوضع على حاله إلى غاية سنة 1976 أين وضع النظام دستورا جديدا استمر العمل به بعد تولي الشاذلي بن جديد الحكم إلى غاية أحداث 1988، حيث وضع دستور آخر سنة 1989، وغيّر الدستور مرة أخرى في عهد زروال سنة 1996، ليأتي عهد بوتفليقة الذي عدّل الدستور سنة 2002، ثم سنة 2008 ليضع دستورا جديدا سنة 2016.

وأول ملاحظة نستنتجها من خلال تغيير الدساتير في الجزائر أن لكل رئيس دستوره الخاص به، والأمر الثاني أن التغييرات التي تجرى على الدستور لم تكن دوما بسبب حدوث أزمات إذا ما استثنينا دستور 1988 الذي جاء بعد أحداث أكتوبر، ليفتح المجال للتعددية الحزبية. أما الملاحظة الثالثة التي يمكن إيرادها فتتمثل  في كون التغييرات التي وقعت على الدستور تخص فقط بعضا من مواده. لكن التعددية الحزبية التي ضمنها دستور 1989 قد عصف بها الانقلاب الذي وقع سنة 1992، لتعود الجزائر إلى نمط التسيير المعتمد من قبل، على الرغم من محافظة النظام في شكله العام على التعددية واستحداث غرفة أخرى في البرلمان، فالواقع يؤكّد تسيير النظام للدولة فالمنطق نفسه المعهود، حيث هيمن الأفلان بالتزوير على مختلف الانتخابات التي جرت في الجزائر رفقة  حزب الأرندي الذي يعتبر نسخة ثانية من الحزب الأم، وبالتالي لم يفسح أيّ مجال لأن يصل صوت الأحزاب المعارضة إلى المجالس المنتخبة، ففقدت الأمل نهائيا من الوصول إلى الحكم، ما أدى ببعض منها لأن تستسلم وتعلن الولاء عسى السلطة تمنحها نزرا من المكافآت. وهذا ما يدفعنا إلى القول بأن النظام الجزائري الذي أمسك بزمام الأمور بعد تعدّيه على صلاحيات المجلس التأسيسي سنة 1963 هو الذي يستمر في إدارة شؤون الجزائر إلى غاية اللحظة الحالية، فالأشخاص يتغيرون، لكن النظام بقي نفسه.

إن خروج الملايين من أفراد الشعب في 22 فيفري قد سبقه آلاف الاحتجاجات في مناطق مختلفة من الوطن، بداية من أزمة القبائل من 1963 إلى غاية 1966، مرورا بأحداث 1980، 1988، 2001 إلى غاية الحراك الشعبي سنة 2019. أحيانا كانت الاحتجاجات ذات طابع سياسي، وأحيانا أخرى ذات طابع ثقافي، لكن أكثر الاحتجاجات كان لها علاقة بالظروف المعيشية من غياب للتنمية وتفشي للبطالة. والشيء الذي يجعل احتجاجات 2019 مختلفة عن سابقاتها كونها من جهة لمّت جميع الشرائح من مختلف مناطق الوطن، ومن جهة أخرى كونها تحمل مطالب سياسية بحتة، فأفراد الشعب على مرّ 57 سنة شهدوا خزائن الدولة أحيانا فارغة مثل الفترة التي تلت الاستقلال مباشرة، أو أثناء الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالجزائرفي منتصف ثمانينات القرن الماضي، وأحيانا ممتلئة بعد الأزمة العالمية للنفط التي وقعت في سبعينات القرن الماضي، أو خلال العهدات الثلاث الأولى من حكم بوتفليقة، لكن عندما يقارنون وضعهم المعيشي يجدونه لا يتغيّر، فالبترول الذي يعدّ أهم مصدر للعملة الصعبة لا ينعكس ارتفاع سعره أو انخفاضه في السوق العالمية على حياة الجزائريين، الأمر الذي فسّره الكثير على أنه سوء تسيير للثروات، فعوض خلق اقتصاد بديل عبر استثمار موارد البترول، ضيّعته السياسيات الفاشلة المتبعة من قبل جلّ الحكومات المتعاقبة على الحكم، فهي تعتمد في ميزانياتها على ريع البترول من دون استحداث مورد آخر للعملة الصعبة، لذلك ذهبت مدّخرات الدولة في سد عجز الميزانية خلال السنوات الماضية، الأمر الذي ينذر بحدوث أزمة اقتصادية أعنف من تلك التي عاشها الجزائريون في الثمانينات من القرن الماضي، زد على ذلك انتشار الفساد السياسي والمالي، وتحوّل النظام إلى أوليغارشيا يتحكّم فيه رجال الأعمال الفاسدين.

كل هذه الأمور دفعت بشرائح كبيرة من الشعب للنزول إلى الشارع للتعبير عن رفضها للأوضاع التي وصلت إليها البلاد، منادين بضرورة إحداث تغيير شامل على منظومة التسيير بدءا بتغيير رموز النظام المشاركين في الحكم، فهذا المطلب السياسي يحمل في طياته دعوة إلى إنشاء نمط جديد للتسيير يختلف عما هو متّبع من قبل، وليس الاكتفاء بتغيير الأشخاص على النحو المعهود، أو إضفاء بعض التعديلات الطفيفة على مواد معيّنة من الدستور لإحداث التغيير المنشود. لقد شهدت الجزائر عشرات الحكومات ومئات الوزراء وثمانية دساتير إذا ما احتسبنا التعديلات التي قام بها الرؤساء،  من دون أن يحدث أدنى تغيير في نظام الحكم، فكيف يمكن للشعب أن يصل إلى مبتغاه؟

هناك عدة طرق للوصول إلى تحقيق مطالب الشعب، إذ يمكن تغيير منظومة الحكم عن طريق إعادة صياغة الدستور والقوانين المنظمة للجمهورية على النحو الذي نجعل فيه السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية تتساوى بحيث لا تهيمن سلطة على أخرى، وتؤدي كل واحدة منها عملها على النحو المنشود: السلطة التنفيذية تراقب عملها كلا من السلطتين التشريعية والقضائية، في حين تراقب المحكمة الدستورية كلا من السلطة التشريعية والتنفيذية، أما عمل الجيش فسيكون محصورا في ضمان أمن وسلامة حدود الوطن من أي اعتداء.

ويمكن الوصول إلى ذلك عن طريق عدة آليات، كانتخاب مجلس تأسيسي، أو تعيين لجنة من المختصين لمراجعة مواد الدستور والقوانين المسيّرة لمختلف هياكل الدولة...لكن ما يجب التأكيد عليه هو مدى حدود التحوّل المنشود، إن كان تعديلا طفيفا أو تغييرا جذريا، فالمراد الآن إحداث تغيير حقيقي وملموس يمكن أن يدفع بالجزائر لأن تكون مثالا يحتذى به، لا من قبل الدول النامية فحسب، بل حتى من قبل الدول التي كانت تقدّم لنا دروسا في الديمقراطية، لكون أنظمتها في الحقيقة مليئة بالتناقضات، فعلى سبيل المثال، النظام الفرنسي الذي استشهدنا به في بداية المقال عرف جمهوريته الخامسة بعد المساومات التي وضعها ديغول للعودة إلى الحكم أثناء بلوغ الأزمة في فرنسا أوجها بعد صمود ثورة التحرير، فالدستور الذي وضع على مقاس ديغول آنذاك لا يضمن التوازن بين السلطات، لأن رئيس الجمهورية يملك صلاحيات كثيرة يستطيع وفقها التعدي على السلطتين التشريعية والقانونية، كالحصانة التي يتمتع بها، أو إلغاء الأحكام القضائية أو إمكانية حلّ الغرفة السفلى متى شاء، الأمر الذي أدى بفرنسا أن تسّير في بعض المراحل من تاريخها باتجاهين مختلفين عندما لا ينتمي الرئيس إلى الأغلبية التي يقودها رئيس حكومته.

إن الأزمة السياسية في الجزائر مردها إلى قيام السلطات بعد الاستقلال مباشرة بنسخ النظام الفرنسي بمختلف قوانينه وتشريعاته وتطبيقه على الجزائر. كان من الضروري في تلك الحقبة المرور بفترة انتقالية، تتمكن فيها السلطة الفتية من بسط سيطرتها على مختلف مناطق البلاد، والبحث في الوقت نفسه عن طبيعة النظام الذي يمكن للجزائر العمل به، وذلك عن طريق المقارنة بين مختلف الأنظمة المتواجدة في العالم. لكن الذي حدث أن قوى خارجية فرضت منطقها على أفراد معيّنين من السلطة الحاكمة، وهؤلاء أجبروا البقية على إتباع النهج المسطّر لهم عن طريق القوة، ومن هنا بدأ الخروج عن سكة الديمقراطية، ونشأ مبدأ الوصاية، وهو أمر تشترك فيه جميع الأنظمة التي انبثقت عن الثورات، فالزعماء يعتقدون أنهم المتسببون في استقلال البلاد، وأن آراءهم دوما سليمة، ولا يحق لأحد معارضتها.

إشكالية النظام في الجزائر تقوم على بعض النقاط التي نراها في غاية الأهمية بحكم أنها ترتبط بإعادة هندسة الآليات المتبعة بحيث تتماشى مع أسس الديمقراطية الحقيقية لا كشعارات تردّد في الخطابات، وإنما كقوانين تعيد ترتيب المسؤوليات على نحو سليم يضمن العدالة الاجتماعية.

فأول شيء يجب تغييره هو تسمية الدولة، فالأصل أن نتبنى تسمية الجمهورية الجزائرية، وأن نتخلى عن عبارة الديمقراطية الشعبية التي ورثناها عن الاتحاد السوفياتي، وهي شعار للأنظمة غير الديمقراطية، لكونها تقوم على فرض اتجاه معّين من أعلى هرم السلطة ولا يملك الشعب حرية ابداء الرأي أو المعارضة، وهذا ما وقع فيه نظام الحكم في الجزائر الذي كان يسيّر البلد على هواه، معتمدا في البداية على الاشتراكية ونظام المخططات، لينقلنا بين عشية وأخرى إلى الرأسمالية التي حطّمت القدرة الشرائية للمواطنين، وأفرزت في المقابل أباطرة فاسدين في التجارة والاقتصاد. ضف إلى ذلك كله نظام تعيين الاطارات السامية المسيّرة للحياة اليومية للشعب، فالديمقراطية الحقيقية تنص على أن المسار السليم هو أن يختار الشعب مسيّريه من الأسفل إلى الأعلى، لا العكس، بحيث أصبح المسؤول الأعلى في البلاد والمتمثل في شخص الرئيس أو مستشاريه أو وزراءه يفرضون أشخاص معيّنين على مختلف القطاعات من مؤسسات وإدارات ، وهذا ما خلق نظام التسيير المركزي الذي فاقم من معاناة المواطنين، فالولاة معيّنون من الأعلى ولهم الكلمة الأخيرة في تسيير ولاياتهم، والأمر نفسه بالنسبة لرؤساء الدوائر، مما يجعل رؤساء البلديات مكتوفي الأيدي، لا يسيّرون في غالب الأحيان سوى القمامة، وأرصفة الشوارع، والشيء نفسه بالنسبة للشركات العمومية  والجامعات وغيرها من المؤسسات التابعة للدولة.

علينا أيضا الانتقال من النظام الرئاسي بغرفتين إلى نظام برلماني بغرفة واحدة للحدّ من هدر المال العام وضمان تسيير ديمقراطي حقيقي وفعّال، بحيث لا يكون لرئيس الجمهورية سوى الجانب البروتوكولي لا أكثر، فنحن قد رأينا مصير الجزائر عندما حصرت القرارات المصيرية في يد شخص واحد، في حين لو وضعت السلطة التنفيذية في يد أعضاء البرلمان الذين يختارون من الأغلبية رئيسا للحكومة سيجعلها دوما أمام ميزان الشعب الذي سيؤيد عملها ويزكيها لعهدات أخرى أو أن يزيحها من على هرم السلطة عبر الصندوق. ويجب الإشارة هنا إلى أن نظام التصويت المعتمد في البرلمان يجب أن يتحوّل إلى تصويت سرّي لتفادي أيّ ضغط، فالمنتخب يعمل لصالح الشعب لا لصالح جهة معينة.

إن الجمهورية الثانية وفق نظري تستدعي بالضرورة القضاء على التسيير المركزي وتعيين الولاة، ولا يتمّ ذلك إلا عن طريق إعادة تقسيم الجزائر إلى مقاطعات كبرى، ينتخب أفرادها من يتولى رئاستها من سكان المقاطعة لأنهم أدرى بمشاكلها وإمكانياتها، فالمقاطعات ذات الطابع الزراعي تختلف عن المقاطعات ذات الطابع الصناعي، مثلما تختلف فيها الآليات المعتمدة لخلق اقتصاد بديل يسمح للمقاطعات بعدم الاتكال على ريع البترول في التسيير، إذ من غير المعقول مثلا أن ضرائب ولاية بجاية تجمع في سطيف ويتصرف فيها المسؤولون المتواجدون في العاصمة على نحو هواهم، أو أن يقوم مدير مؤسسة عمومية بإفلاس الشركة التي عيّن فيها ليحوّل من قبل مسؤوليه إلى إدارة شركة أخرى من دون أدنى محاسبة.

ولتحقيق التوازن بين السلطات يجب سحب صلاحية التعيين من يد السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، الأمر الذي يضمن استقلالية العدالة وعدم ربطها بوزارتها إلا فيما يخص الجوانب الإدارية، فالتحويلات، والأمور التأديبية والفصل والتعيينات يجب أن تتم من قبل مجلس قضاء مستقل ومنتخب، والأمر نفسه بالنسبة للمجلس الدستوري الذي يجب أن يتحول إلى محكمة دستورية مستقلة عن باقي السلطات، وتتمتع بالحصانة بحيث تبدي رأيها برفض أو قبول التشريعات التي تعرض عليها، وأحيانا أخرى تحاكم المسؤولين من السلطة التنفيذية والتشريعية الذين يثبت عليهم محاولة تعديهم على مواد الدستور.

وللحفاظ على الطابع الجمهوري الديمقراطي للنظام، يجب تخصيص مواد دستورية  بصيغة صريحة تنص على رفض استعمال الدين والهوية والجهوية في النشاط السياسي، لأن الخطر الأكبر على الديمقراطية يأتي من الحرية التي تمنحها للأفراد.

من الواجب أيضا تنظيم النشاط السياسي، ويستدعي هذا الأمر حلّ جميع الأحزاب دون استثناء ودعوتها لإقامة مؤتمراتها التأسيسية لفرز الأحزاب الحقيقية عن تلك التي لا يتعدى أعضاؤها أفراد الأسرة الواحدة. ولا يجب تجديد نشاط حزب الأفلان لكونه حزب جميع الجزائريين ولا يجب مواصلة تلطيخ سمعته أكثر، وعلى السلطة استعادة جميع مقراته وممتلكاته وتوزيعها على وزارتي الشباب والثقافة لتحويلها إلى مكتبات أو دور ثقافة، كما يحضر نشاط حزب الأرندي لارتباط تواجده بالتزوير والفساد.

وينادي الشعب أيضا بإقامة جمهورية مدنية، بحيث تكون مهام الجيش محصورة في حماية أمن الوطن وذلك بحماية حدودها من أي اعتداء. وبالتالي يجب إبعاد الجيش عن أي عمل سياسي وفق ما هو معمول به في جميع البلدان الديمقراطية، لأن انحياز الجيش إلى طرف سياسي دون آخر سيخلق انشقاقا يؤثر لا محالة على استقرار الوطن. لقد ورثنا عن الاستعمار الفرنسي الفروع التي ينقسم إليها الجيش، ونحن لسنا مضطرين للتمسك بها، فالمدنية التي نستهدفها تستدعي إبقاء الجيش بعيدا عن الحياة اليومية للمواطنين، وترك المؤسسات المدنية هي التي تتولى تنظيم الحياة العامة، وبالتالي أرى أنه من الضروري إلحاق جهاز الدرك بوزارة الداخلية ودمج مختلف عناصره بسلك الشرطة التي اكتسبت احترافية كبيرة في أداء عملها، الأمر الذي سيسمح بالحفاظ على أمن الأفراد على النحو المعمول به في معظم دول العالم.

أثناء صياغة الدستور الجديد يجب مراعاة عدم وضع فوارق جهوية في مواده كالتباين الموجود بين اللغتين العربية والأمازيغية في دستور 2016 في مادته 212 التي تشير بأنه لا يمكن إجراء أي تعديل دستوري يمس اللغة العربية كلغة وطنية ورسمية، مستثنيا اللغة الأمازيغية من ذلك ، وكأنها ليست لغة وطنية ورسمية.

إن الهدف في الأخير هو بناء جمهورية مدنية ديمقراطية موحّدة، أساسها العدالة الاجتماعية، أين تضمن لأفرادها حرية التعبير، وتساوي الفرص بغض النظر عن دينهم أو جنسهم أو لغتهم أو منطقتهم، بحيث يطبق القانون على الجميع دون استثناء من أبسط مواطن إلى أعلى مسؤول على هرم السلطة.

اقرأ أيضا..